المشهد اليمني الأول/

تقول المعلومات المسربة من أروقة قصور آل سعود أن ولي العهد المغمور محمد بن سلمان لن يهدأ له بال حتى يُقصي متعب بن عبد الله من قيادة الحرس الوطني السعودي. والسبب أن الحرس الوطني هو آخر معقل قوة يهدد استقرار بن سلمان في حكمه، ولكن هل سيتمكن بن سلمان من عزل متعب كما فعل مع بن نايف قبله؟ هذا الأمر بحاجة إلى تأمل!

منذ تسلم سلمان الحكم بدأ محمد بن سلمان بإمساك مفاصل القوة الواحد تلو الآخر، كما بدأ بسياسة الترويج لنفسه كشخصية مؤيدة للحداثة وحازمة في نفس الوقت. وبالفعل كان من الواضح أن الأخير إنما يحضر لانقلاب ناعم داخل سلالة آل سعود لتسلم الحكم بعد والده، وفي هذا السياق أتى قرار عزل ابن عمه محمد بن نايف من ولاية العهد وتعيينه محله لتكون نقطة التحول الرئيسية في هذا السياق.

ولكن رغم أن بن سلمان بات اليوم ولي العهد الرسمي في السعودية إلا أن نار الخلافات لا تزال تستعر تحت رماد الكثير من أمراء آل سعود بمن فيهم بن نايف المعزول ومتعب بن عبدالله. هذه النار التي تقض مضجع محمد بن سلمان تقلقه لدرجة بات لا يجرؤ على القيام بزيارة خارجية خوفا من انقلاب مضاد يطيح به وبوالده.

لذلك وبعد تمكنه من إقصاء بن نايف من وزارة الداخلية لا بد له أن يقصي المعارض الآخر القوي متعب بن عبد الله من قيادة الحرس الوطني السعودي. فالحرس الوطني يعتبر القوة الضاربة الثانية في السعودية بعد الجيش وقد تم تعزيزه وتجهيزه بأفضل العتاد والسلاح في عهد عبدالله.

كما أن الحرس الوطني يضم عشرات الآلاف من شبان القبائل السعودية وبذلك فإن له حيثية خاصة قد لا يتمتع بها الجيش نفسه في بعض الأحيان. يُذكر أن هذا الجهاز بني منذ ستينيات القرن الماضي من أبناء القبائل وتولى قيادته منذ البداية عبدالله بن عبد العزيز، والذي حوله إبّان حكمه للسعودية إلى قوة قد تتفوق في بعض الأمور على الجيش نفسه.

اعتقد البعض بادئ الأمر أن إقصاء متعب أمر سهل بالنظر إلى أن بن نايف الذائع الصيت وصاحب الولاءات الكبيرة في الداخلية قد أُقصي ولم يحدث شيئ.

الصحيح أن الأمر يختلف فمتعب تمكن خلال السنوات الماضية من بناء شبكة علاقات وولاءات ضمن ضباط وجنود الحرس الوطني إضافة إلى علاقات مميزة مع القبائل المنضوي شبابها ضمن هذا الحرس مستفيدا من تاريخ والده عبدالله مع هذه القبائل. وهذا الأمر يجعل من متعب هدفا صعبا لبن سلمان إطاحته دون مقدمات طويلة.

لذلك يتم الحديث اليوم عن نية لدى بن سلمان لإصلاح بنية الجيش والهيكلية الدفاعية للسعودية، وهذا الأمر إنما يريد من خلاله بن سلمان تمهيد الطريق لضم الحرس الوطني إلى الجيش أو أمن الدولة. مما يذيب هذه الجهاز ضمن أجهزة ومؤسسات أخرى وينهي الخوف لدى بن سلمان من إمكانية أي انقلاب يكون الحرس الوطني رأس حربته.

طبعا الأمور ليست بهذه السهولة ولأسباب كثيرة تتعلق بشخصية متعب الذي يسعى للظهور خلال السنوات الماضية على الساحة بقوة، وكأنه يرسل إشارات لبن سلمان بالتخلي عن مخططاته. كما أن الظروف الشعبية والعسكرية لا تساعد على هذه الخطوات التي وإن فشل بن سلمان في تنفيذها بدقة ستنقلب عليه نهاية الأمر.

المسألة الأخرى التي يجب أخذها بعين الاعتبار هي حرب اليمن، الحرب التي نظّر لها بن سلمان وأراد من خلالها إثبات قدراته العسكرية والقيادية ففشل وبات في موقف لا يحسد عليه. هذه الحرب يقف ضدها الكثير من الأمراء إضافة إلى الكثير من الضباط السعوديين من أبناء القبائل المنضوية تحت لواء الجيش أو الحرس الوطني. حيث أن الكثير منهم يرى في اليمن امتداد تاريخي وجغرافي وقبلي للسعودية وليست عدوا كما يتعامل معها بن سلمان.

الأمر الآخر هو الوضع الاقتصادي والخطة التي أتى بها بن سلمان، فباتباعه سياسة إغراق الأسواق النفطية أوصل سعر النفط عالميا إلى حدود متدنية أدخلت السعودية في عجز مالي كبير. وهذا الأمر كان له مترتبات منها أن الحكومة السعودية أُجبرت على فرض ضرائب ورسوم على كاهل المواطن مما أدى لحالة من الرفض الشعبي لهذه الإجراءات وارتفاع في مستويات الفقر داخل الدولة النفطية. إضافة إلى أن بن سلمان حاول ومن خلال مشروعه الموسوم برؤية 2030 أن يقدم نفسه شعارا للتقدم والحداثة ففشل لأسباب تتعلق بالضغوطات الاقتصادية والبيئية والثقافية التي يعيشها الشعب والشباب السعودي.

طبعا في خضم هذا البحث لا بد من الإشارة إلى الأخبار التي تقول بأن سلمان قد سجل خطاب تنحيه وتسليم ابنه الحكم، وهذا الأمر بات قاب أيام أو أقل. إذا حصل هذا الأمر فإن نظرية قوة موقف متعب ستتأكد حيث أن سلمان وابنه سيفضلون خطوة تسليم الحكم على المساس بمتعب والحرس الوطني في هذا الوقت. وتبقى الأيام المقبلة كفيلة بإزاحة الستار عن تطورات الأحداث في بلد يحكمه صبية مغمورين.

الوقت

التعليقات

تعليقات