كتب: جميل أنعم العبسي

 

“ما بعد بعد الرياض” و “حاضرون للمشاركة”، و “التصعيد يقابله تصعيد”، و “الصاع سيرد بصاعين”، تصريحات نارية كان يعنيها أهل الموقف والمواجهة في الميدان، ومراحل “الحسم العسكري” أصبحت مراحل واقعية، سترافقها إتخاذ خيارات إستراتيجية مؤلمة للعدو داخلياً وخارجياً والذي يزداد تمادياً يوماً بعد يوم سيما بعد مواقف الأمم المتحدة مؤخراً التي إنحازت إنحيازاً كاملاً لصف المعتدي، وطالبت بإحتلال الموانئ قبل أي حوار، ظناً منها أن الورقة الإقتصادية بنقل البنك ومنع الرواتب ونشر الأوبئة قد أتت أكلها وستركع اليمن وقواه الثورية الصامدة.

 

الإنتقال إلى هذه المرحلة الجديدة من المواجهة مع العدو وفي مثل هذه الظروف التي يتهيأ فيها العدو لحصاد ما زرعه من تدمير إقتصادي ونشر للأوبئة، على أمل الغزو من الداخل، بأطراف ثالثة ظهرت على شكل مبادرات وهي تنازلات لن تزيد اليمنيين سوى بؤس وشقاء، وليتأكد البعض أن الحقوق لا توهب بتنازلات، لأن التنازلات ستستمر إلى ما لا نهاية، بل تنتزع بإطلاق تجارب باليستية متطورة في كوريا الشمالية، أو بطرد 755 دبلوماسي أمريكي من روسيا، أو بالبندقية والنيران لا سواها في اليمن، فما بالك عندما يكون أعدائك “بني سعود ومن خلفهم الصهاينة لتمرير مشروع القرن الواحد والعشرين الإستعماري للتقسيم والنهب بسايكس بيكو 2.”

 

وبني سعود لم يُقدِّروا تنازل اليمن عن أقاليم يمنية أصيلة عريقة، جيزان وعسير ونجران، فنجران تُنسب إلى نجران بن زيد بن سبأ بن يسحب اليماني وإليها ينسب خطيب العرب قيس بن ساعدة الأيادي .. أما عسير فآخر حكامها هم من آل عايض من مشائخ تهامة وأبناء الوطن، وتُنسب عسير إلى قبيلة الأزد أزد سنوءه وهي من أعظم القبائل اليمنية المعروفة .. وجيزان هي ميناء عسير وعاصمة تهامة اليمنية، وعندما تنازل اليمن عنها ظن اليمن أن ذلك سيشفع له من مكر بني سعود وأسيادهم الصهاينة، فكان ما كان من إحتلال ناعم لم ولن يسمح لليمن بأن تكون قوة إقليمية أو إقتصادية رغم إمتلاكها القوى العاملة والثروات، وهذا ما تطبقه الدول الإستعمارية تماماً مع دول العالم الثالث لإخضاعها بإغراقها بالديون والعجز والإنهيار، وصولاً إلى الشراكة الإنسانية والإغاثية “آخر مراحل الإخضاع بعد تعثر كل الوسائل”.

 

ولتبسيط الأمر ولإعادة مفهوم “التنازل” إلى معناه الحقيقي، نذكر البعض بأقوال حكومة الوفاق أنها لن تستطيع تسليم رواتب الشهر التالي، رغم تفعيل المداخل البرية والجوية والبحرية حينها وعملها بشكل كامل، فضلاً عن عوائد أخرى تدرها خزينة الدولة، واليوم يقول السفير الأمريكي السنفور وغلام الشيخ المأجور ونزلاء فنادق العدوان أن عوائد ميناء الحديدة “فقط” تكفي لتسليم الرواتب، إستخفاف بالعقول، وإن صحت روايتهم فهذا يدينهم بإرتكاب جريمة بحق الشعب ترقى لـ “الخيانة العظمى” … وعموماً ما يطلبه السفير السنفور وغلام الشيخ وأدواتهم هو ذاته ما تفعله الدول الإستعمارية ببلدان العالم الثالث، حينها منعوا الرواتب وكان ماكان من أزمات واستهداف ممنهج للإقتصاد الإنتاجي والنفط ..إلخ، ليس لأجل ميناء الحديدة ولا لأجل الرواتب، إنما لإخضاع اليمن ولتدخل اليمن من أوسع الأبواب في وصاية لا تتمكن بعدها أي قوى وطنية من مقاومتها، فمن جهة كان قانون حكومة “بحاح” الذي عُرف بقانون الشراكة بين القطاع الخاص والقطاع العام تحت ذريعة وصول القطاع العام إلى مرحلة الإنهيار، والحل إشراك القطاع الخاص للنهوض به، وهذا الإشراك إجباري ويصل إلى حد بيع القطاع العام للقطاع الخاص وبالمجان، نعم بالمجان، والأسوأ ليس أي قطاع خاص بمقدوره فعل ذلك، بل قطاع خاص مملوك لعائلات وبيوت تجارية مرتبطة بالخارج، وسيكون القرار والإرادة السياسية لأي حكومة تالية ولاحقة بعدها مرهون بأيدي هذه العائلات التجارية المرتبطة بالخارج، أما القطاع الخاص الوطني فيكفي أن نذكر أنه تعرض للتدمير الممنهج أسوةً بأخيه القطاع العام، ونالت منه غارات العدوان عليه بشكل كبير.

 

وليس لأجل ميناء الحديدة، وبإسم الرواتب والمعونات وافق “صندوق النقد الدولي” على قروض مشروطة بإشراك القطاع الخاص بالعام، والمشروطة أيضاً بعدم إستخدام الأموال في مشاريع إنتاجية قادرة على سداد الديون وإستيعاب عمالة وإيراد أرباح إلى خزينة الدولة، ومن هم على إطلاع يعرفون كيف تم تبذير الأموال في مشاريع الطرقات ومشاريع خدمية غير إنتاجية، وتبذيرها يميناً وشمالاً، ولم تكفي القروض للرواتب، ووصلنا إلى مرحلة “الجرعة” لتوفير الرواتب، وكل ذلك لإغراق الدولة بالعجز عن تسديد الديون، ولتعود جرعة إضافية ثانية وثالثة ورابعة لتوفير الرواتب وسداد الديون عن الدولة الممنوعة من بناء إقتصاد إنتاجي يوفر على المواطن عناء سداد الديون، بدلاً من بعثرة الأموال في مشاريع غير إنتاجية في مرحلة غير مناسبة، وهكذا ببساطة خضعت العديد من دول العالم الثالث للإستعمار، وأصبح قرارها رهن العائلات التجارية إن لم يتكن وصاية مباشرة من سفارات الغرب الإستعماري، أما الدولة لم يبقى منها سوى إسم وعلم، ولمن يريد التوسع في هذا الباب عليه الإطلاع على كتاب “إعترافات قاتل إقتصادي” والنسخة العربية المترجمة منه بعنوان “الإغتيال الإقتصادي للأمم” لصاحبه عالم الإقتصاد والكاتب السياسي وعالم البيئة الأمريكي “جون بيركينز” والذي يروي فيه كيف جُنِّد من المخابرات الأمريكية وأصبح قاتلاً للشعوب والأمم، وسبيل “قتلة الإقتصاد” إلى ذلك تقاريرُ مالية محتالة، وانتخابات مُزوَّرة، ورشاوى، وابتزاز، وغواية جنس، وجرائم قتل. وإغراق بالديون، ثم فرض الوصاية والسيطرة على الثروات والقرار السياسي بأبخس ثمن.

 

والبعض من الداخل ممن هو محسوب – في الظاهر- على مواجهة العدوان، بدأ يروج لمبادرات الخضوع والإستسلام، وربما لم يعرف بعد أننا قد تنازلنا عن أقاليم عسير وجيزان ونجران، وتنازلنا بعدم إنشاء إقتصاد إنتاجي قادر على النهوض والإعتماد على النفس، يُمكِّن الدولة من سداد ديونها قبل إخضاعها من الدائنين والذين يريدون دَينهم بالسيطرة على القرار السياسي أو إعطاء الشركات اليهودية التابعة لهم حق إستخراج النفط وبإتفاقيات مجحفة، وغيرها الكثير من أشكال المساومات وحدوثها إجباري، لأننا بعثرنا القروض بمشاريع خدمية غير منتجة، وسداد الدين سيقع على عاتق المواطن بالوصفة السحرية للبنك الدولي تحت مسمى “إصلاحات إقتصادية” وتنازل المتنازلون وأقروا “الجرعة” وتنازل المتنازلون بإشراك القطاع الخاص في القطاع العام، حينها لم نجد كهرباء ولا رواتب ولم نكن في حالة حرب وعدوان وحصار، وكان المتنازلون يريدون “تنازل” إضافي بإقرار دستور الستة شعوب وست دول متناحرة، وحضرت القوى الوطنية للميدان وكان ما كان، وبذلك نفهم التخندق الوطني في صف العدوان “نضحي بحياتنا حاضرين نضحي في سبيل أن نعاني مع الحرية أن نعاني مع الكرامة أن نعاني مع الحفاظ على قيمنا وديننا ومبادئنا حاضرين أما أن نضحي بالقيم والحرية ونستعبد لأنذال مجرمين هذا هو المستحيل الذي لن يكون”.

 

وبذلك نفهم ونستوعب أيضاً تخندق البرجوازية اليمنية مع الخارج المعتدي، وكذلك نفهم ونستوعب الفساد والتدمير للإقتصاد الوطني القطاع العام الإيرادي والإنتاجي الخدمي، والمشرعَن بقانون يحمي مراكز الفساد من المسائلة القانونية والتحقيق والإحالة للقضاء، قانون أسود صدر بعد حرب 94م، وعلى أصحاب المبادرات أن يبادروا لرفعه بدلاً من مبادرات حمايته وشرعنته بتنازلات إرتجالية لا تمثل شعب الأوس والخزرج.

 

ولم تعد مرحلة اليوم مرحلة توفير الراتب والكهرباء، بل وصلنا إلى المرحلة الأكثر خطورة، إلى مرحلة إشراك المنظمات الدولية المشبوهة تحت ذريعة إنهيار الدولة والإنسان، وهذه المرحلة مرحلة مُكَبّرة من المرحلة المصغّرة “إشراك القطاع الخاص مع العام بعد تعثره وانهياره “بفعل فاعل”، وهذه المرحلة من الشراكة المكبرة تأتي بعد فشل المراحل الإقتصادية الأولى وتعثر المراحل العسكرية، إنها مرحلة “الشراكة الإنسانية والإغاثية” بعد تعثر الدولة والإنسان وتفشي الفقر والجوع والمرض والأوبئة، وتأكدوا من ذلك جيداً بل وممتازاً أنها “بفعل فاعل”، وبمعنى أكثر وضوح إنها مرحلة “رفع المصاحف على أسنّة الرماح” … وخُفي وعُمي وتعطلت حواس البعض بأن إيقاف العدوان ورفع الحصار أكبر إغاثة وأكبر راتب، ونسي وتغاضى البعض نتائج القروض فلا راتب ولا كهرباء عدا مشاريع كرتونية، ونتائج الإغاثات ستكون كارثية لأن هدفها مرسوم ومعلوم، طالما ظل التعامل معها كحالة طبيعية وليست نتيجة من نتائج العدوان والحصار.

 

واليوم نقول لمن ينسب نفسه لصف مواجهة العدوان، وقد تبرأو منه الأحرار، نقول للبعض الذين غرهم قميص الراتب والإغاثة، إن كان هناك تنازل يضمن القرار الوطني الحر وطرد القواعد الأمريكية من الشرق الأوسط ومن اليمن بحد أدنى، وايقاف مشاريع التقسيم والتمزيق، أو أن “نعاني مع الحرية، نعاني مع الكرامة” فليكن وحاضرين، فهل هذا مقبول من الجانب الآخر، أم يُعد تنازل خيالي منه، إذن فليكن التنازل خيالي، لأننا نعتقد أن كل أموال العالم وكل مشاريعه لا تساوي قطرة دم ليمني حر.

 

ويقولون الحر تكفيه الإشارة، والإشارة بدأت من الأحرار حقاً برسم الخط العريض “حاضرون للمشاركة” لإنهاء مراحل التنازل والبدء بمراحل الشراكة والمشاركة حسب المفهوم الوطني، شراكة مع الداخل الوطني بالحفاظ على العزة والكرامة والعيش الكريم “حاضرين” … والمشاركة مع الخارج المقاوم لمشاريع الهيمنة والإستكبار وتداعياته التدميرية إنسانياً وجغرافياً ووطنياً ودينياً “حاضرون” .. فعندما تكون الجبهة المعادية في مراحل تنازلوا لأجل الرواتب، وتنازلوا لأجل الإغاثة، ولدينا تجارب أليمة في التنازلات، فالمرحلة مرحلة “حاضرون للمشاركة” ولا داعي لنفتش في كتب التاريخ والجغرافيا والوطنية، والقرآن والمنطق والعقل لنعرف الدعي بن الدعي الذي ركز بين إثنتين، بين السلة والذلة، وعنواننا “حاضرون وهيهات منا الذلة”، هذا هو عدونا ويكفي أن حجيجنا القرآن الكريم، كي نوفر حديث المنطق والعقل والأخلاق والشواهد والتاريخ والجغرافيا والوطنية.

 

وعندما تكون المرحلة بمستوى “حاضرون في أي مواجهة وينبغي على العدو الإسرائيلي أن يحسب حساب شعبنا اليمني في أي مواجهة مستجدة له مع حزب الله في لبنان أو مع الفلسطينيين”، فذلك يعني أن “الحاضرون في لبنان وفلسطين” يجب أن يكونوا في وضعية مريحة في بلدهم، وضعية لا تسمح للعدو بأن يتقدم، وضعية قادرة على أن تجبر العدو ألا يفكر أن يتقدم، وهذا ما تشير له التطورات، التي حدثت مؤخراً وما شهدته جميع الجبهات من تصعيد عسكري ملحوظ سيما على المسرح الحدودي، فمن جهة دخل اليمن مرحلة “ما بعد بعد الرياض” صاروخياً من أوسع الأبواب الإقتصادية بضربة “ينبع”، التي إعترف بها مسؤولان في وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” لشبكة الـCNN الإخبارية الأمريكية، وأن الصاروخ اليمني عبر 930 كم داخل الأراضي السعودية حتى وصل هدفه “مصافي ينبع”، دون أن تعترضه صواريخ الباتريوت والتقنيات الدفاعية التي أنفقت عليها السعودية مليارات الدولارات .

 

فضلاً عن ضربة قاعدة الملك فهد الجوية بالطائف بعدد من الصواريخ الباليستية، وهي المرة الأولى التي يُطلق فيها عدد من صواريخ بركان1 الباليستية إلى الأراضي السعودية، وما تحمله هذه الضربة من دلالات عديدة أهما، لبعض تيارات الداخل التي بدأت تهتز على وقع الحصار وانتشار الأوبئة وقدمت مبادرات التنازل، فتنازل الأحرار عنهم … أيضاً من الدلالات الهامة للضربة الباليستية المزدوجة، أن المخزون الصاروخي ما زال بكامل عافيته، ولهذا فصل من فصول التكيف والقدرة والثبات في الحروب سيدرس في أكاديميات العالم العسكرية، وفي جعبة “الحاضرون” الكثير من المفاجئات.

 

إذن هذه المرحلة، مرحلة ذات مستوى عالي بإستراتيجيات عسكرية فعالة، الرياض ومابعد بعد الرياض ينبع، والعين على ميناء إيلات الصهيوني … مابعد بعد الرياض ومنظومات الدفاع الجوية المعادية وتقنياتها الحديثة ترقب يوم إختبارها، في دبي أو أبو ظبي ربما في الدمام أو قواعد الكيان الإسرائيلي في إريتيريا أقرب من إيلات الصهيوني ومشارك في العدوان على بلدنا، أو يحدث مالم يكن بالحسبان بإنهيار إستحداثات الإحتلال في الجنوب اليمني واستعادته بجهود المخلصين والعائدين لصفوف الوطنية اليمنية الكاملة، أو ضربة صاروخية من نوع “راجل بالأقدام الحافية” وفي ليلة خاطفة ترفع الأعلام اليمنية في الأقاليم اليمنية الأصيلة، عسير وجيزان ونجران، فالبعض لا ينفع فيهم التنازل، وأرادوا التنازل أكثر وأكثر، وأراد البعض التنازل لهم في مبادرات ولدت ميتة .. وما تصريحات السفير السنفور سوى أضغاث أحلام بالإيقاع بين أنصار الله والمؤتمر الشعبي العام، وكما قلنا مبادرات لم ولن تلقى لها صدى في الداخل الوطني التي حذر منها ونفاها وسخر منها، ونسف محاولات السفير السنفور .. محاولات كانت لها إمتداد مشهود من المحاولات لفكفكة الجبهة الداخلية، فسمحوا للمؤتمر بمزاولة نشاطة في الجنوب دوناً عن أنصار الله، وجائوا الفساق من مخابرات فرنسا ومن قناة الجزيرة بنبأ فتبين الداخل الوطني منها .

 

وكان جيد وممتع الحديث عن معضلة الحل بسبب القوى المقاومة التي أبكت السفير السنفور وأخرجته مذموماً مدحوراً من جنة الوصاية في عهد “المتنازلون” .. وجيد جداً ظهور الأصوات النشاز المتماهية مع العدوان وأوراقه الإقتصادية وأوبئته ..ألخ .. هؤلاء “المتنازلون” سيتساقطون سريعاً وسريعاً جداً بتدعيم تحالف الجبهة الداخلية، بأنشطة ميدانية ومواقف مشتركة وبشكل مشهود وحاسم لتحرق ورقة الغزو من الداخل وفكفكة الجبهة الداخلية وتذريها أدراج الرياح .. وممتاز جداً الحديث عن الطرف الثالث والذي يعني هزيمة العدوان دولاً وعملاء داخل وخارج، وأن جميع الأوراق إحترقت، وهنالك محاولة متبقية متمثلة بالطرف الثالث، أسوةً بالطرف الثالث الذي ظهر في أغسطس 1965م وبمسمى القوة الثالثة التي حلت محل الجمهورية الثورية السبتمبرية وأزاحت أنصار النظام الملكي وقامت بتصفية الطرفين لصالح جمهورية الإعتدال وتربعت على السلطة بصنعاء بشكل مباشر أو غير مباشر حتى 21 سبتمبر 2014م بإستثناء فترة الحمدي الذي إغتاله الطرف الثالث بإسناد سعودي، ويريد اليوم العودة من بوابة رفع المصاحف على أسنة الرماح والفقر والجوع والمرض والأوبئة، ولنعود إلى الإغتيالات والفوضى، فالقاتل الإقتصادي هو من يدير ويشغل هذا الطرف الثالث المشبوه … فإن كانوا يريدون حلولاً فموجودة منذ قبل إنطلاق العدوان، بإقرار جمال بن عمر “كانت الأطراف على وشك التوصل لإتفاق إلا أن تدخل السعودية حال دون ذلك”، واليوم يقول السفير السنفور “يجب على الجميع القبول بالدور الذي تلعبه الأمم المتحدة”، وعدم القبول بدور جمال بن عمر الذي أوسعوه طعون واستبدلوه حينها بالمأجور غلام الشيخ تحت أي قبول كان … وإن كانوا يريدون تسمية الحلول الموجودة بالطرف الثالث فهذا الطرف هو الحلول التوافقية واتفاق السلم والشراكة وشطب دستور الأقاليم، وبذلك تكون هزيمة العدوان النكراء، أما الأسلحة الإستراتيجية فهي شأن وطني قومي خالص 100% والحُر تكفيه الإشارة، أما الحَر سيذوقه في عز الشتاء، والروح سننتزعها من بين جنبيه.

 

ومرحلة “حاضرون” أخرجت السفير السنفور من وكره بمحاولة فكفكة “دون المستوى” تحطم رأسها في أول صخرة من صخور صنعاء الوطنية بالبراءة والنفي وننتظر المزيد من ولّادة التاريخ وشعب الأوس والخرزج، بتفعيل قانون الطوارئ للنيل من صيصان السفارات وعبدة الريال والدولار .. ومرحلة “حاضرون” أدخلتنا فعلياً في مواجهة مباشرة مع أمريكا الصهيونية بعد ضربات صواريخ بركان1 على قاعدة الملك فهد الجوية في الطائف، ومن يستغرب عدم تضرر القوة الجوية للعدو بشكل ملحوظ عقب الضربة، بإعتباره هدف يشكل عصب حساس للقوات الجوية السعودية، ومن خلال متابعتنا نؤكد بأن سرب الطائرات الذي أتى لضرب العاصمة صنعاء ومحافظات عمران وصعدة بشكل مكثف عقب الضربة الباليستية، حلقت في سماء عدن أولاً دون أن تكون هناك أي إشتباكات أو تطورات أمنية من تلك التي شهدناها في عدن، وهذا يعني وبما لا يدع مجالاً للشك أن الطائرات أقلعت من الأساطيل الأمريكية في البحر العربي على الأرجح، وما يدعم ذلك إستخدام ذخائر مغايرة للذخائر المعهودة، منها صواريخ كروز الأمريكية.

 

وعدم ظهور مؤشرات تأثر القدرة الجوية المعادية في ضربة قاعدة الملك فهد، يعني أن مرحلة “حاضرون للمشاركة” دخلت فعلياً بإشتباك ومشاركة أمريكية ملموسة ومشهودة ومشاركة إسرائيلية مباشرة من قواعدها في إريتيريا، وعلى الجميع أن يدرك أن الخلافات التي تعصف بالخليج لن تؤثر على سير المواجهة، لأن مواجهتنا هي في الأصل مع أمريكا والصهاينة، وهي مستمرة، بالسعودية والإمارات وقطر أو بدونهم، ما عدى خلافات بين الأسرة الحاكمة تنتهي بتشضي السعودية إلى دويلات في إطار مشروع القرن الواحد والعشرين “سايكس بيكو2” للشرق الأوسط الجديد بـ 66 شعب تحكمهم إسرائيل الكبرى .

 

ومرحلة “حاضرون” تدرك جيداً تاريخ الأطماع الإسرائيلية في الممرات المائية الإستراتيجية، والساحل الغربي لليمن ما زال يستعصي على الصهيونية من ممرات بحرية ممتدة من الهند والبحر العربي والبحر الأحمر والمتوسط، وأوردنا في ذلك قراءات موسعة للخارطة الجيوسياسية للوطن العربي … وفي السابق بريطانيا فقدت زعامة العالم من البحر الأحمر ومن قناة السويس تحديداً، وأمريكا وبعون من الله سبحانه وتعالى ستفقد زعامة العالم ومن البحر الأحمر، بإغراق أساطيلها وبارجاتها وطائراتها ومرتزقتها الأفارقة، فالمواجهة مستمرة بوجود مرتزقة من الداخل بالتكفير والمناطقية أم بدونهم … وسيُكتب تاريخ اليمن المقاوم من السواحل اليمنية.

 

وبذلك تكون مرحلة “حاضرون” قد إكتملت أركانها صاروخياً بقوة فتاكة تُمرِّغ الأنوف وتصنع المستحيل، وبرياً بقوة جبارة تتقن الصمود والهجوم والتنكيل، وبحرياً بقوة تسحق البارجات والأساطيل .. قادرين على صناعة النصر بقوة وتأييد القهار الجبار هو حسبنا ونعم الوكيل، قوة تصان وتتوّج وطنياً بإرادة وشراكة وطنية تتخلص من المتطفلين والفاسدين بتفعيل قانون الطوارئ وإلغاء القانون الأسود الذي يحمي الفاسدين من المسائلة والمحاسبة.

 

وعلى خطى القيصر “ألكسندر رومانوف الثالث” قيصر وإمبراطور روسيا السابع عشر في الإمبراطورية الروسية، الذي كان كلما اجتمع بوزرائه ردد أمامهم عبارته الشهيرة التي ظلت متداولة حتى يومنا هذا وهي “في كل الدنيا لدينا فقط حلفان إثنان وفيّان، هما جيشنا وأسطولنا. أما الباقون فإنهم في أول فرصة سيتحدون ضدنا” .. نقول بدورنا “في كل الدنيا لدينا فقط حلفان وفيّان، والتأييد الإلهي ورائهما، هما جيشنا ولجاننا الشعبية. أما الباقون فإنهم في أول فرصة سيتحدون ضدنا”. والحر تكفيه الإشارة، والعبد بالعصا والتنازل يُقرع .

 

والخلاصة..

مراحل التنازل لا تثمر إلا وصاية وذل ومسارها للأسوأ، ولدينا تجارب محلية واقليمية ودولية وعالمية ليس من الحكمة غض الطرف عنها، ولأن عدونا معروف، ولأننا خُيِّرنا بين السِّلة والذِّلة، نحن أمام مرحلة تاريخية حساسة نشهدها وستتحدث عنها الأجيال، وسنشهد أدوار مباشرة لأمريكا واسرائيل في العدوان علينا، والسفير الأمريكي السنفور أعلنها صراحة “سنشرف بشكل مباشر على الملف اليمني” لأنه يعي معنى الوصول إلى مرحلة “حاضرون للمشاركة”، والمتارس الأمامية تعثرت وانهارت، ولم يعد هنالك شيء لإخفائه، وأصبح اللعب “على المكشوف” “وجهاً لوجه”، وبدأ الأمريكي مشواره محاولات الترويج للطرف الثالث وكسر الجبهة الداخلية، والقوى الوطنية هنا أمام تحدي كبير أمام الله سبحانه وتعالى والتاريخ والأمة بالمزيد من الإلتحام … والمراهنة على الطرف الثالث خاسرة بكل المقاييس .

 

فما أصغر التنازل لأجل “مصاحف الراتب والإغاثة”، أمام مشاريع عملاقة، وما أعظم مرحلة “حاضرون للمشاركة” أمام مشاريع “حاضرون للتنازل”، وكأن دروس الدهر لم تكفي، لا، نقول يكفي، ولتكن مواجهة مفتوحة وعلى كل صعيد، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام، على مصارع الكرام، ألا وانا زاحفون تحت راية شامنا ويمننا بالقرآن والعترة حلف الحسن والحسين على قلة العدد وخذلان الناصر .. فَإنْ نَهْزِمْ فَهَزَّامُونَ قِدْماً .. وَإنْ نُغْلَبْ فَغَيْرُ مُغَلَّبِينَا .. ولاحول ولاقوة إلا بالله عليه توكلنا وهو رب العرش العظيم.

التعليقات

تعليقات