المشهد اليمني الأول/

ذهبت صحيفة «الغارديان» إلى تحميل «التحالف» الذي تقوده السعودية في اليمن، مسؤولية تردي الأوضاع الصحية والإنسانية هناك، مشيرة إلى أن 4.5 مليوناً من الأطفال والنساء الحوامل يعانون من سوء التغذية الحاد، فيما يفتقر ما مجموعه 18.8 مليون شخص إلى الخدمات الصحية الأساسية، وهو الرقم نفسه لأولئك الذين يجدون مشكلة في توفير خدمات صرف صحي مناسبة، وفي الحصول على مياه نظيفة وآمنة.

وأكملت الصحيفة، في تقرير أعده جوناثان كينيدي، بأن انتشار الأوبئة يعد أحد جوانب «حالة الطوارىء الإنسانية الأوسع نطاقاً» التي يعيشها اليمن، حيث يسجل انتشار مرض الكوليرا 7 آلاف حالة جديدة يومياً، مع لحظ أن العدد الإجمالي للمصابين بالمرض منذ أبريل الفائت فاق 436 ألف حالة، توفي منهم أكثر من 1900 شخص. ومع أن معظم تقارير المنظمات الدولية، والوسائل الإعلامية الغربية تشدد على أن اندلاع الصراع في اليمن قبل عامين قد هيأ الظروف المؤاتية للوضع الإنساني المتردي الذي تعيشه البلاد اليوم، إلا أن ذلك لا يعدو كونه سوى جزء يسير من المشهد اليمني.

وأشار كينيدي، الأستاذ الجامعي والمحاضر في شؤون الصحة العالمية بجامعة «كوين ماري» في لندن، إلى أن مسؤولية كل من «المتمردين الحوثيين» وقوات «التحالف» عن انتهاك القوانين الدولية، وما ترتب عنه من معاناة للمدنيين، لا يلغي فرضية أن يكون أحدهما، لا سيما الأكثر امتلاكاً للقدرات والأموال، يتحمل مسؤولية أكبر عن تفشي الكوليرا، وأن يكون أحدهما الآخر هو الأكثر تأثراً بها. فمع أن «المتمردين الحوثيين» استهدفوا مناطق مدنية في أكثر من مناسبة، إلا أن «التحالف»، الذي تتزعمه الرياض، ومن خلال العديد من «الغارات العشوائية» على البنى التحتية والمرافق المدنية بكافة أشكالها، إلى جانب الحصار الذي يفرضه على اليمن، كان أكثر قدرة و«بما لا يقاس» على إلحاق الأذى وأعمال التدمير، في إشارة إلى تفوق السعودية، على خصومها، كمّاً ونوعاً من حيث الوسائط القتالية.

وفي هذا الإطار، استعرض الكاتب، تحت عنوان: «وجهوا اللوم إلى السعوديين بشأن تفشي مرض الكوليرا في اليمن… إنهم يستهدفون عامة الناس»، آثار الحصار المفروض على اليمن منذ بدء الحرب عام 2015، متوقفاً عند واقعة سماح «التحالف» لأول طائرة مساعدات طبية للهبوط في مطار صنعاء، الخاضع لسيطرة «المتمردين»، بعد مرور أربعة أسابيع على تفشي مرض الكوليرا. كما أوضح أن عدم حصول 30 ألف عامل في القطاع الصحي، أسوة بزملائهم في كافة مرافق القطاع العام الواقعة ضمن نطاق سيطرة «الحوثيين»، على رواتبهم منذ ما يقرب من العام، يفاقم من الأوضاع الإنسانية والصحية، مشيراً إلى أن إضراب عمال الصرف الصحي ومهندسي المياه في صنعاء منذ عدة أشهر، أسهم في ترك المخلفات والنفايات المنزلية في الشوارع، وانسداد قنوات الصرف في تلك المناطق، ما يزيد من مخاطر انتشار الكوليرا، وفق كينيدي.

من هذا المنطلق، قال كينيدي إنه من غير المستغرب أن تتأثر المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة «الحوثيين»، بشكل «غير متناسب»، قياساً بالمناطق الخاضعة لسيطرة حكومة هادي. وبالأرقام، فإن ما نسبته 80 في المئة من الوفيات وقعت في المناطق التي تسيطر عليها الجماعة، فيما تبلغ نسبة المصابين بمرض الكوليرا هناك، حوالي 17 إصابة لكل ألف شخص، بينما تصل تلك النسبة في مناطق سيطرة حكومة هادي إلى 10 إصابات لكل ألف شخص. وهكذا، فإن «الشخص الذي يقطن ضمن نطاق سيطرة المتمردين (الحوثيين) يزيد من احتمال إصابته بالكوليرا بنسبة 70 في المئة، أما المصاب بالمرض في هذا النطاق، فإن احتمال وفاته يزيد عن 50 في المئة»، وفق الكاتب.

على ضوء هذه الأرقام والإحصائيات، أوضح الكاتب، والمتخصص في قضايا الصحة العالمية، أن تفشي وباء الكوليرا «لا يمكن عده ببساطة نتيجة حتمية لواقع الحرب الأهلية» في اليمن، إنما هو «نتيجة مباشرة لاستراتيجية التحالف» القائمة على استهداف البنى التحتية، وضرب المدنيين في مناطق النزاع.

ومع الإشارة إلى فشل الجهود الرامية لوقف مبيعات الأسلحة البريطانية والأمريكية إلى السعودية، وعلى ضوء غياب الإدانة الدولية القوية للعمليات العسكرية التي تقودها الرياض في اليمن، استبعد الكاتب أن يتم التوصل إلى «نهاية سريعة» لحالة الطوارئ الإنسانية والإغاثية هناك.

التعليقات

تعليقات