المشهد اليمني الأول/

تتحرك الإمارات بخطى مشبوهة منذ أول يوم شاركت فيه مع التحالف العربي، وكان تركيزها منصبا على المحافظات الجنوبية، عدن وحضرموت وسقطرى، كانت هذه المدن مناط أطماعها منذ نظام صالح، وكانت تحركاتها مع النظام قديما تبعث على الدهشة والخوف معا.

كشفت الثورة الشبابية الشعبية جانباً مخيفاً من الاحتلال الاقتصادي الإماراتي كمستعمر في الظلال، حسب وثائق نشرت في وسائل الإعلام عقب الثورة فقد باع نظام صالح  ميناء عدن لمجموعة «موانئ دبي العالمية» التي تعدّ خامس أكبر مشغل للموانئ في العالم، ويقع تحت إدارتها ١٨ ميناء دولياً، تتوزع في مناطق مختلفة من العالم. وفيما يفترض بميناء عدن أن يكون منافساً لميناء دبي، فقد أبرمت شركة «موانئ دبي العالمية» عام ٢٠٠٧ اتفاق تأجير مع نظام صالح لإدارة ميناء عدن، أفضى إلى تأسيس شركة لتطوير محطة الحاويات في عدن وتشغيلها، مناصفة لكل طرف، وبرأس مال أوّليّ بقيمة مئتا مليون دولار. وباتت الشركة مشمولة بقانون المنطقة الحرة. وأبرمت في ٢٠٠٨ اتفاقات أخرى، منها إيجار الأرض، وإدارة الميناء، وخدمات الميناء ونقل الموظفين. وأظهرت إحصائيات نشاط ميناء عدن تراجعاً في أدائه، فبينما استقبل الميناء نحو 500 ألف حاوية خلال العام الذي سبق تشغيل «دبي العالمية» للميناء، وتناقصت هذه الكميات عاماً بعد آخر حتى وصلت إلى 130 ألف حاوية فقط خلال عام 2011م، بينما توقف عمل خطوط الـ«BIL» التي كانت تعمل في الميناء منذ 25 عاماً كخطوط ترانزيت للسفن التي تتوقف للتزود بالوقود.

العودة للسيطرة على ميناء عدن

وتم إلغاء الاتفاقية المجحفة من قبل حكومة الوفاق في سبتمبر/أيلول 2012م وهو ما أشعر أبوظبي بخطر استقرار الدولة اليمنية وبسط نفوذها على كل أراضيها، وعندها بدأت تخيط خيوط اللعبة لإعادة صالح إلى السلطة مجدداً، حتى كانت عرابة الانقلاب على الرئيس هادي وأدخلت الحوثيين حلفاء إيران إلى العاصمة صنعاء في سبتمبر/أيلول 2015م، بعد ثلاث سنوات من إلغاء الاتفاقية.

دخلت “الإمارات” كثاني أكبر قوة بعد السعودية في التحالف العربي لمواجهة الحوثيين، وكانت تخطط إلى اشعال الفوضى مع المتغيرات الإقليمية في المحافظات الجنوبية، في محاولة لإعادة السيطرة على الميناء الحيوي مجدداً، وتحاول إجبار وابتزاز الحكومة اليمنية على التفاوض وتقديم التنازلات لأبوظبي مقابل وقف الحركات الانفصالية التي تهدد الاستقرار في المحافظات المحررة ما يهدد بذلك شرعية الرئيس اليمني المنتخب والمعترف به دولياً.

قامت الإمارات بزرع الميليشيات المؤيدة لها في ميناء عدن وخاضت الحكومة اليمنية حرباً معها حتى منتصف العام الماضي حتى بسطت قوات تتلقى أوامرها من الحكومة السيطرة على الميناء وحراسته وعندها بدأ الميناء بالعمل مجدداً ووصلت إليه شاحنات كبيرة.

ليس ميناء عدن وحده ما أحكم شيوخ أبوظبي سيطرتهم عليه، بل إن جزيرة سقطرى تحولت إلى جوهرة في يد فحامين، فقد استقدمت 80 بالمائة من سكانها للعمل في إمارات الدولة في وظائف متدنية، ودخلت مع “صالح” ونظامه في شراء الأراضي التي زادت بعد عاصفة الحزم مارس/آذار 2015م فبدأت التحركات المشبوهة من خلال زيارات الشيوخ  المتلاحقة بغرض السياحة والاستجمام، ثم تطورت لتقديم المساعدات للمحتاجين، بعد إعصار شابالا وأرسلت أول مساعدات في نوفمبر/تشرين الثاني2015م، وكانت كلها استطلاعات تمهيدية لتحويلها إلى قاعدة إماراتية و منصة تدريب عسكرية، وتتحول الجزيرة إلى ملكية حصرية لأبوظبي في الاستثمار وإيفاد السياح.

استهداف سلطنة عُمان

في مايو/أيار الجاري أعلنت الإمارات الدفع بالمزيد من القوات إلى الجزيرة السياحية والتي تعد محافظة إلى جانب 20 محافظة يمنية أخرى، كما أعلنت عن نجاح دورات تدريبية جديدة لقواتها. تمتلك الإمارات قواعد عسكرية عديدة في منطقة البحر الأحمر والعربي، وتتيح سقطرى من ناحية عسكرية سيطرة شبه فعليه على بحر العرب ومؤثراً مهماً على سلطنة عُمان الدولة الجارة للإمارات والتي تنزعها حدوداً برية بما فيها رأس مسندام.

يقول مصدر دبلوماسي خليجي رفيع مطلع على التدخل الإماراتي في اليمن لـ”موقع اليمن الإخباري”، مفضلاً عدم الكشف عن هويته، إن أبوظبي تنشط مخابراتياً في سلطنة عُمان وبين عامي 2012م و 2013م عاشت البلدين فضيحة تجسس استهدفت السلطان قابوس بما يمس أوضاعه الشخصية ولم تُحل الإشكالية إلا بتدخل من دولة الكويت. مضيفاً إن التوتر عاد بين الدولتين مجدداً مع التحركات الإماراتية في جزيرة سقطرى إلى جانب النشاط الكبير للمؤسسات الإماراتية في محافظة المهرة الجارة الغربية من جهة اليمن للسلطنة. وقدمت “مسقط” -حسب المصدر- عِدة اعتراضات على نشاط إماراتي مكثف في حدودها إلى الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي.

بيع سقطرى

استمر الإماراتيون في الجزيرة يلعبون وينهبون ويخربون على مرأى ومسمع من الجميع، وأحيانا بمباركة من الحكومة والنظام، حتى أصبحت صنائعهم مألوفة، وأهدافهم واضحة جلية، وربما شاركهم فيها النظام من خلال قائد الحرس الجمهوري نجل صالح، الذي دخل معهم لاحقا في صفقات التجارة المشبوهة، والاستثمارات المموهة، وشراء أراضي سقطرى أجمل بقاع الدنيا، لإقامة مشاريع سياحية استثمارية.

وأعطت الحكومة اليمنية في عهد خالد بحاح، رجل الإمارات، امتيازات للإمارات، ففي مارس/ آذار 2016، وقع نائب الرئيس اليمني رئيس الحكومة المقال «بحاح»، اتفاقية مع دولة الإمارات، لإعمار وتنمية «سقطرى»، وهو ما دفع الحكومة لاحقا بإدار قرار بوقف التصرف في الأراضي والشواطئ، وذلك بهدف إلى مراجعة تلك الاتفاقية بعد قيام بعض رجال الأعمال الإماراتيين بحجز مناطق واسعة في شواطئ الجزيرة وشراء مساحات واسعة فيها. بعد شهر من الاتفاقية بين بحاح والإمارات أقال الرئيس اليمني، خالد بحاح من منصبه وعين بديلاً عنه الجنرال علي محسن الأحمر نائباً وأحمد عبيد بن دغر رئيساً للحكومة.

وبدأت معها حِدة الخلافات بين الرئيس هادي وأبوظبي تظهر للعلن، فاستضافت خالد بحاح وحرضت المجتمع الدولي على رفض الحكومة اليمنية حتى أن وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري قال للصحفيين في أغسطس/آب2016م إن الرئيس هادي بإقالة بحاح أعدم أي فرصة لنجاح المشاورات السياسية مع المسلحين الحوثيين والقوات الموالية للرئيس السابق.

تملك الإمارات إلى جانب ذلك قاعدة عسكرية في جزيرة “ميون” الواقعة على مدخل مضيق باب المندب وتظهر القاعدة العسكرية الضخمة مطاراً بطول 3200 متراً، وكانت مجموعة جاينز المختصة بالدراسات العسكرية قد نشرت صوراً بالأقمار الصناعية في فبراير/شباط الماضي، والتي تظهر استمرار الإمارات في خلق قاعدة عسكرية ذات تواجد دائم في المضيق. ويمكن للمسيطر على هذه الجزيرة التحكم بالعبور في مضيق باب المندب واستخدمتها قوى الاحتلال السابق من بريطانيين وبرتغال وأسبان.

تهاجم الإمارات بشكل دائم القوى والشخصيات الوطنية في اليمن، وتقوم بعملية تفريخ جنرلات الحرب كما فعلت من قبل في ليبيا ومصر، ويبدو أن اليمن ضمن تلك الخطة الإماراتية لنزع الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وبشكل خاص تهديد الأمن القومي لشبه الجزيرة العربية.

التعليقات

تعليقات