كتب: فؤاد الجنيد

تسعى النخب الجنوبية الحالية والمعاصرة والسابقة منذ أعوام إلى العودة بالجنوب إلى ما قبل العام 1990م، فهي ترى في ذلك التاريخ علامة تاريخية فارقة وسوداء، أخذت الدولة وسلبت الثروة وألغت الهوية. لكن سعيها المبالغ فيه جعلها تتجاوز ذلك الرقم، وتهرول بالجنوب إلى ما قبل العام 1963م، وها هي اليوم تعيد صوراً حية من فصول الإذلال والاستعباد، ومشاهد واقعية من التعذيب والقمع التي مارسها الإحتلال البريطاني قبل ذلك التاريخ، وكلفت الجنوبيين قوافل من الشهداء لصناعة فجر أكتوبر الناصع والخروج من تلك الزنزانة المقيتة.

كانت هذه النخب الجنوبية وما زالت تنشد دولة «البيض» التي فشلت في استعادة نفسها في العام 1994م، لتجد نفسها اليوم وقد ملأت بـ«السود» من كافة الجنسيات الأجنبية الغازية بداعي التحرير والاستقلال، وإعادة شرعية الدولة التي لا تعترف أصلاً بدولة الجنوب، ولا بالنخب التي تدعي تمثيل الجنوب.

لا ينكر أحد أن لإخواننا في الجنوب قضيتهم الحقيقية التي تستحق النضال والكفاح، وتستدعي الإنصاف والمعالجة العادلة، والوقوف الجاد والمسؤول لاحتوائها وتسويتها، لكننا نختلف معهم كلياً في طريقة تعاطيهم مع قضيتهم، ووسائلهم المفرغة من دستورية المنطلق وقانونية الخطوات.

ففي الوقت الذي ينادون فيه بالاستقلال والتحرير من الإحتلال اليمني الداخلي، يستدعون أكثر من احتلال خارجي لهذه المهمة، ويغردون خارج أرضية الدولة اليمنية الموحدة. يدعمون شرعية الرئيس هادي ويفتحون محافظاتهم للسياسيين المكلفين بقرارات منه، وفي الوقت عينه، لا يعترفون بالشرعية المزعومة، ويبنون على أطلالها مكونات سياسية جديدة، كان آخرها «المجلس الإنتقالي الجنوبي». ليس هذا فحسب، بل يعملون جاهدين على تنفيذ إملاءات هذا الإحتلال، ويقودون الجنوبيين إلى معركة ليست معركتهم سياسياً وجغرافياً وأيديولوجياً، معركة مفتوحة وصراع بالوكالة ليس لهم منه أي نصيب سوى قرع خطى المشيعين وتمتمات المعزين.

يشترك تحالف العدوان مع المكونات الجنوبية في توصيفات جوهرية، أبرزها البون الواسع بين مكونات كل منهما سياسياً وفكرياً، وكذا غموض أهداف هذه المكونات ومآربها، وولاءاتها وارتباطاتها، لدرجة أن كل مكون – من التحالف – لا يعرف ماذا يريده المكون الآخر، رغم زعمهم أنهم في طريق مستقيم صوب غاية واحدة ومصير واحد، وكذلك الحال مع المكونات الجنوبية. فمكونات التحالف كتلة متشابكة من السياسات المثيرة للجدل، وتأتي المفارقات السعودية الإماراتية في طليعتها، خصوصاً وقد أفردت أرض الجنوب لتكون ساحة لتسوية تصادم مصالحها الأحادية.

وفي المقابل تعيش فصائل ومكونات الجنوب التقليدية، والمجلس السياسي الحديث، بالإضافة إلى حكومة هادي حالة عجيبة من التباين الفردي والجماعي، وتتصادم أهدافها في أسفل السلم، وهذه هي كلمة السر التي استثمرتها الإمارات وصنعت منها بيئة وحاضنة مناسبة جداً لتنفيذ مشاريعها ومخططاتها بكل سهولة ويسر، وبأيدي الجنوبيين أنفسهم.

كم هو مؤلم أن نرى الجغرافيا اليمنية تتقطع أوصالاً ونكتفي بالمزايدة والمكابرة

قد يختلف الجنوبيون – شكلاً وقالباً – في تفسير الأحداث وتقييم النتائج والمآلات الماثلة للعيان، لكنهم متفقون – جوهراً وقلباً – على أن صفيح الجنوب الساخن لن يحرق إلا الجنوبيين، وأن كل القوى الخارجية وأدواتها في الداخل لا تلهث إلا وراء مصالحها، وترمي بكل ثقلها سلباً على كل مبادرة من شأنها أن تصلح الجنوب، وتضع يدها على الثروات والمواقع الإستراتيجية والنفطية، وتسرح وتمرح وكأنها مالك الأرض وحامي الدار.

يسعى الإحتلال الإماراتي إلى بسط نفوذه على مفاصل الجنوب، مستغلاً الخلاف السعودي القطري، ومحتمياً بالظهر الأمريكي الذي يشاركه حالياً بتدخل مباشر بجنود أمريكيين وسلاح وعتاد وبنك أهداف، ظاهرها دحر القاعدة وتجفيف منابع الإرهاب، وباطنها السيطرة على شبوة وتجفيف منابعها النفطية والغازية، لتلحق بسابقاتها مأرب وحضرموت.

يبلغ عدد القطاعات النفطية الإنتاجية في محافظة شبوة خمس قطاعات نفطية هي: جنة، عياد، شرق الحجر، الدامس، وقطاع العقلة. أما عدد الآبار المنتجة للنفط في المحافظة فـ242 بئراً نفطياً بحسب آخر إحصائيات في العام 2009م. ويوجد في منطقة رضوم واحد من أهم المشاريع العملاقة في منطقة الشرق الأوسط، وهو مشروع تصدير الغاز الطبيعي المسال في بئر علي. وتوجد في المحافظة ثلاثة مطارات: عتق، بيحان، بلحاف، وثلاثة موانئ: بئر علي، قنا، مجدحة؛ وهذا هو السبب الرئيس الذي جعلها هدفاً استراتيجياً للحملة العسكرية الأخيرة بصرف النظر عن المبررات الهشة والمثيرة للسخرية.

وفي المقابل، نجد اختلافاً نوعياً في مخططات السعودية – كونها رأس التحالف ومهندسة الحرب -. فهي تسعى إلى تقسيم اليمن إلى ثلاث مناطق: مناطق نفطية، ومناطق ساحلية سياحية، ومناطق قتال عسكرية ساخنة لا تتوقف رحى معاركها. فالمناطق الأولى تسير نحو أبو ظبي بموافقة سعودية، والثانية ستكون من حصة الرياض، ويأتي التوجه الإستثماري والسياحي السعودي الأخير في البحر الأحمر تأكيداً على الرغبة والنوايا في امتلاك وتأمين هذه المناطق، مع الإبقاء على الحديدة والشريط الساحلي حتى ميدي ليكون تحت إشراف قوة دولية – طرف ثالث -، تتولى تغذية الصراع وتمويل طرفي الصراع اليمني سراً بالسلاح والعتاد، لضمان حالة الإنهاك والاستنزاف، واستمرارية الحرب حتى نجاح تلك المخططات، وهذا ما يفعله المبعوث الأممي، إسماعيل ولد الشيخ، في محاولته المستمرة وإصراره المتتالي على أن يكون هناك إشراف أممي على ميناء الحديدة والخطوط الساحلية بداعي إدخال المعونات وفك الحصار.

كم هو مؤلم أن نرى الجغرافيا اليمنية تتقطع أوصالاً ونكتفي بالمزايدة والمكابرة، ونشاهد تاريخنا يُحرّف ويُزيف ونكتفي بالتنظير والتطنيش، في حين اختُزلت الوطنية والوحدة في مصنعين للإسمنت لم يسلما هما الآخران من القصف والتدمير.

التعليقات

تعليقات