المشهد اليمني الأول/

حاولت صحيفة «واشنطن بوست» استكشاف خلفيات زيارة الزعيم العراقي مقتدى الصدر، إلى مدينة جدة السعودية، واستشراف انعكاساتها المحتملة على المعادلة السياسية الداخلية في العراق، والمعادلة الإقليمية الأوسع المرتبطة بالصراع السعودي الإيراني.

وأوضحت الصحيفة، في تقرير حمل تساؤلاً مفاده: «لماذا زار رجل الدين الشيعي العراقي المثير للجدل السعودية؟»، أن الزيارة تأتي كمحاولة من مقتدى الصدر لإظهار نفسه كـ«قوة شيعية معتدلة» و«رائدة في الدعوة إلى التغيير»، على الساحة العراقية، مشيرة إلى أن اللقاءات رفيعة المستوى التي عقدها الزعيم العراقي في المملكة العربية السعودية، تحمل رسائل إلى «منافسيه» في المشهد السياسي في العراق، كونها تعزز صورته في الخارج، وترسخ دوره كـ«رجل دولة» وسياسي «عابر للطوائف والاثنيات» في الداخل، كما يظهر من تحالفه مع إياد علاوي (سياسي علماني مناهض لإيران) قبيل الانتخابات البرلمانية المقررة العام المقبل.

وفيما يخص العلاقة مع إيران، لفتت الصحيفة إلى أن الزيارة تحمل مؤشرات على استعداد الزعيم العراقي للذهاب إلى ما هو أبعد من مجرد توسيع خياراته، وهامش المناورات لديه، على هذا الصعيد، باتجاه «مقاومة دور إيران» و«الإضرار بنفوذها» على الساحة العراقية، إذا ما أراد تقديم نفسه فيها كوجه عروبي مناهض لإيران، لا سيما وأن أصداء هذا الخيار تتردد في أوساط أنصار التيار الذي يتزعمه الصدر، وإن كان الغموض ما زال يحيط بمدى تقبل هذه القاعدة لفكرة التقارب مع الرياض. ومن منظور الصحيفة، فإن لقاء الصدر بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، انطوى على «تهديد مبطن» بإمكانية تأطير قاعدته الشعبية ونفوذه السياسيين في المشهد السياسي العراقي ولو من الناحية النظرية، بعيداً من طهران، وبشكل أقرب إلى السياسة السعودية، وهو ما سيحقق للرياض «اختراقاً» على الساحة العراقية لطالما حلمت به.

من جهة أخرى، رأت الصحيفة أن كلاً من الصدر وإيران لا يرغبان في حدوث قطيعة بينهما، الأمر الذي يرجح أن تكون غاية الرجل من الانفتاح على الرياض تتلخص في الاستفادة قدر الإمكان من اللعب على حبال كل من إيران والسعودية، أكثر منه «وداعاً لطهران» من جانب «التيار الصدري».

كذلك، ومن بوابة زيارة الزعيم العراقي إلى السعودية، وما تثيره من إشكاليات في أوساط المؤسسة الدينية المتطرفة في المملكة، خاضت الصحيفة في نوايا الرياض إزاء العراق. وفي هذا الإطار، أشارت الصحيفة إلى عدة سيناريوهات محتملة، أولاها يتعلق برغبة سعودية في زعزعة الاستقرار في البلاد، ودحر النفوذ الإيراني عبر خلق حرب شيعية – شيعية. ثاني تلك السيناريوهات، يرتبط بإعادة إحياء المساعي السعودية الطويلة، وغير المجدية حتى الساعة، من أجل كسب شركاء عراقيين فاعلين في المشهد السياسي العراقي.

فالرياض، وبعد مرور 14 عاماً على غزو العراق، ربما تكون قد سلّمت بضرورة التخلي عن (وجوه) الطبقة السياسية السنية في البلاد، التي كان (أداؤها) مخيباً للآمال في فترة ما بعد العام 2003، وهي الآن، أي الرياض، في صدد القيام بما كان يمكن لها أن تقوم به بدءاً من ذلك العام، حرصاً منها على توسيع نطاق مصالحها داخل النظام العراقي الجديد، بدلاً من مواصلة محاولاتها الفاشلة لتقويض هذا النظام، الأمر الذي قد تعينها عليه شخصية سياسية عراقية شيعية مثل الصدر، وفق الصحيفة.

وبحسب الصحيفة، إذا ما كانت الرياض ترغب بالفعل في تعزيز علاقتها مع الصدر، فإنه يتعين عليها أن لا تبالغ في توقعاتها بشأن النتائج المترتبة عن ذلك، وأن تبدي فهماً أكبر لمواقف الصدر، ولعقليته (السياسية)، لأنه لا يعد حليفاً «طيعاً»، أو وكيلاً «تابعاً» بالصورة التي تتخيلها.

وفي حال نجحت المملكة العربية السعودية في توطيد أواصر العلاقات مع «التيار الصدري»، بما يملكه من حيثية شعبية وجماهيرية راسخة في الشارع العراقي، تكون قد حصلت على فرصتها للاستفادة من موجة الاستياء الكبيرة في أوساط العراقيين الشيعة إزاء إيران، وانقسام الطبقة السياسية الشيعية حول جملة قضايا، وبالتالي الحصول على موطىء قدم ضمن خارطة الأحزاب والتيارات السياسية الشيعية في العراق، على نحو يكفل حدوث انقلاب لصالحها هناك.

فالطرفان ينظران إلى الدور الإيراني في البلاد بوصفه «تهديداً»، ويرغبان في الحد منه، الأمر الذي قد يشكل نقطة تفاهم مشتركة، يمكن على أساسها إعادة رسم العلاقات العراقية – السعودية على أسس جديدة ومغايرة.

ومع ذلك، رأت «واشنطن بوست» أن تعزيز العلاقات بين الزعيم العراقي والعائلة الحاكمة في السعودية دونه عقبات، بخاصة ما يتعلق منها بوجود معارضة داخلية في البلدين لهذا التقارب، مبدية أملها في أن تتغلب «النوايا الحسنة» على ما سواها على هذا الصعيد.

التعليقات

تعليقات