المشهد اليمني الأول/ صلاح السقلدي – العربي

زيادة وتيرة الحديث في الأيام الأخيرة بكثير من وسائل الإعلام العربية والدولية، فضلاً عن المحلية، عن التنافس السعودي الإماراتي في اليمن حول مَــن يفوز بأكبر حصّة من الثروات النفطية والغازية في هذا البلد المنكوب، من خلال محاولة كل منهما استمالة قوى في الداخل للظفر بعقود لشركاتها النفطية، يؤكد ما ذهبنا إليه في الأيام الماضية في إشاراتنا المتكررة إلى أن الحسابات الاقتصادية والتطلعات للنفوذ على أكبر مساحة جغرافية بالبر والبحر والموانئ ومنابع النفط في اليمن، وفي الجنوب بالذات، هي الغاية الغالبة على هذه الحرب، وما موضوع إعادة شرعية الرئيس المستقيل والمنتهية ولايته، عبدربه منصور هادي، إلى سدّة الحكم إلا حصان طروادة للوصول إلى تلك الغاية، وغيرها من غايات هذه الحرب التي اندلعت في مارس 2015م، ومنها الغاية السياسية بالتأكيد.

لهذه الحرب – كما يعرف الجميع – كلفتها المالية والاقتصادية الباهظة، ما تزال تستزف الخزائن المالية الخليجية، وعلى وجه الخصوص السعودية والإماراتية، بعد طرد قطر من المشاركة في هذه الحرب.

وبالتالي، فمن السذاجة أن يعتقد البعض أن هذه الدول التي يتعرّض مصدرها الاقتصادي الرئيس (النفط) لخضّة سعرية هي الأقوى منذ سنوات، سوف تتحمّل أعباء هذه الحرب من خزائنها المنهكة، فالنفط والغاز اليمني هو ما تراهن عليه هذه الدول لسداد قيمة الكلفة.

 

لا يُستبعد أن تلجأ السعودية إلى تسديد «وخزة» في الظهر إلى الإمارات، ضمن حُــومة الحرب الاقتصادية الصامتة بينهما

ولا نستبعد أن يتعدى الأمر مسألة سداد تكاليف الحرب إلى فتح الشهية الخليجية حيال هذا المال «الثروة اليمنية»، خصوصاً وأنه أضحى كالمال السائب – إن لم نقله إنه سائب فعلاً – جــرّاء غياب أي أثر للدولة ومؤسساتها، ناهيك عن سيادتها وبالذات المؤسسة الأمنية والعسكرية، فضلاً عن الرقابية، وبروز عوضاً عن ذلك جماعات قبَـلية ومليشيات مقاتلة كأذرع بيد هذه الدول، وسماسرة شركات نفطية تقدم نفسها -هذه الأخيرة- وبدعم من كل من أبوظبي والرياض كسلطة أمر واقع، أو في أحسن حال كهمزة وصل ووسيط بينهما وبين سلطة، عبدربه منصور هادي، المثقـلة بالفساد والغارقة في بحر من الفوضى المالية والإدارية، ناهيك عن السياسية، كمساعي الوساطة التي تقوم بها حكومة بن دغر التابعة لهادي، بين كل من شركة “أرامكو” النفطية السعودية والمؤسسة الرئاسية اليمنية لإحلال هذه الشركة محل الشركات النفطية في شبوة.

اقتراب الوجود العسكري الإمارتي – الذي يبسط نفوذه كاملاً على حضرموت الغنية بالثروات النفطية والغازية والمعدنية – مؤخراً إلى عمق المناطق النفطية في محافظة شبوة الجنوبية، وبالذات إلى مناطق (قطاعات) عسيلان وعياذ والعقلة، وهذه الأخيرة بحسب مصادر نفطية يوجد فيها ثاني أكبر حقل نفطي باليمن، وهذه القطاعات الثلاث هي من بين خمسة قطاعات غنية بالنفط بالمحافظة، جنباً إلى جنب مع أحدَ عشر قطاعاً استكشافياً وسبعة مفتوحة على الأقل منها القطاعات آنفة الذكر، ضاعف من شدّة تسليط الأضواء على الوجود الاماراتي وتحركاته بالجنوب.

هذا علاوة على اقتراب القوات الإماراتية إلى ما هو أهم من هذه المناطق في محافظة شبوة، وهي منطقة بلحاف الغزيرة بإنتاج الغاز، مما ضاعف الأقاويل من نيّة الإمارات وضع يدها على أهم المنابع النفطية، والغازية على وجه الدقة، والاستئثار بها لتكون مصدر تعويض لها عن الغاز القطري الذي تخطط أبوظبي للاستغناء عنه تحت وطأة الأزمة السياسية الحادة التي تعصف بعلاقاتها بالدوحة ضمن الأزمة السياسة الخليجية المستعرة منذ أشهر.

وفي مؤشر على ازدياد حدة هذا التنافس المحموم بين الرياض وأبو ظبي بشأن النفط والغاز اليمني، فقد نشرت بعض الصحف المقرّبة من السعودية، تقارير تشهّر بالدور الإماراتي في جنوب اليمن، وتتحدّث بشكل لافت عن استغلال الإمارات ميناء الضبّة الحضرمي من دون إذن الحكومة اليمنية، فضلاً عن تقارير تشكّك بدور المنظمات الإنسانية الإماراتية العاملة في اليمن وأهدافها.

لا تبتعد هذه التقارير – المنشورة في صحف ووسائل إعلام سعودية معروفة – في نَفَسها التحريري ومصطلحاتها، عمّا دأبت وسائل إعلام تابعة لـ”حزب الإصلاح” في الترويج له منذ شهور، مستخدمة وصف «الاحتلال الإمارتي» لليمن في خطابها الإعلامي. ففي خضم التنافس المصلحي الشرس بين الحليفين اللدودَين – السعودية والإمارات – لا يُستبعد أن تلجأ السعودية إلى تسديد «وخزة» في الظهر إلى الإمارات، ضمن حُــومة الحرب الاقتصادية الصامتة بين الشريكين في الحرب، وشركاتهم بالكسب. ويظل الجنوب صاحب الحق والأرض والثروة هو الغائب والمغيّب طوعاً وكرهاً إلى أجلٍ غير معلوم.

التعليقات

تعليقات