المشهد اليمني الأول/ ترجمة: وكالة خبر

رغم ما تسبب به السعوديون من دمار شامل في اليمن، والتكاليف الباهظة التي انفقوها، فإن السعوديين قد يخسرون الحرب، أو يصبحون على الأقل متورطين في مستنقع عويص.

على الرغم من أن لدى الولايات المتحدة سجلا حافلا بإدارة الصراعات في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، بيد أنها تحرض الآن على كارثة إنسانية في اليمن يمكن أن تنافس في نهاية المطاف سوريا والعراق في تأثيرها المزعزع للاستقرار على المنطقة والعالم أجمع. ومنذ بدء الحرب في 25 مارس 2015، قتل أكثر من 10 آلاف شخص.

غير أن عشرات الآلاف الذين قتلوا بسبب الحرب، قد لا يمثلون سوى جزء بسيط من مجموع الضحايا، ويبدو أن الحكومة الأمريكية تبذل كل ما في وسعها لجعل الأمور أكثر سوءًا.

وحذرت وكالات الإغاثة الدولية الأسبوع الماضي من أن حوالي 20 مليون شخص معرضون لخطر الوفاة بسبب الأمراض المرتبطة بالجوع أو الفقر في اليمن وعدد من الدول الأفريقية التي تواجه جميعها نقصا حادا في الغذاء.

وفي اليمن وحدها، قدرت منظمة “انقذوا الأطفال” ان 20.7 مليون نسمة، نصفهم من الأطفال، في حاجة ماسة إلى المساعدات. وفي الوقت نفسه، ينتشر وباء الكوليرا في أنحاء اليمن الأكثر تضررا من الحرب، مع ما لا يقل عن 360 ألف حالة مشتبه بها وربما يصل الرقم إلى 425 الفا. وقد توفي حوالي الفي شخص من هذا الوباء، وتزداد عدد الحالات بحوالي 7 آلاف حالة يوميا.

إن المجاعة في اليمن ليست نتيجة الجفاف أو الفشل في زراعة المحاصيل، بل هي نتيجة للحصار المتعمد الذي فرضته السعودية على اليمن منذ اكثر من عامين بمساعدة حلفائها، بما في ذلك الولايات المتحدة، في جهد متعمد لتجويع المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون وحلفاؤهم للاستسلام والخضوع.

كما أن تكتيكات الحصار التي لا ترحم من قبل التحالف الذي تقوده السعودية هي المسؤولة مباشرة عن تفشي وباء الكوليرا. وقد استهدفت السعودية المناطق المدنية بقنابلها، ودمرت البنية التحتية الحيوية مثل المستشفيات وشبكات المياه وغيرها.

ويقول الدكتور هومر فينترز، مدير البرامج في منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان، إننا نشهد “تسليحا للمرض” في اليمن، وكذا في سوريا.

ولا يمكن للولايات المتحدة أن تنجو من تواطؤها في هذه المجازر. فبعد أن أدركت إدارة أوباما في وقت متأخر أن السعوديين يقصفون المدنيين اليمنيين بأسلحة أمريكية الصنع، منعت مبيعات القنابل العنقودية والذخائر الدقيقة إلى الرياض في العام الماضي. غير أن إدارة ترامب سعت إلى استئناف مبيعات الأسلحة الدقيقة في مارس، ومرر مجلس الشيوخ صفقة جديدة بقيمة 500 مليون دولار بفارق ضئيل، في يونيو. ومنذ مارس، تدرس ادارة ترامب توسيع نطاق مشاركة الولايات المتحدة في الحرب باليمن – التي حرض عليها السعوديون بالتأكيد خلال زيارة ترامب الى الرياض في مايو من هذا العام.

ولطالما صفقات الأسلحة تخلق فرص عمل جديدة، فترامب وإدارته لا يأبهون حول بيع حلفائنا قنابل وصواريخ لتفجير المنازل والمستشفيات وشبكات المياه.. فهذا الموقف لا يكاد يكون جديدا في السياسة الخارجية للولايات المتحدة: فطالما أن السعوديين يشترون بنادقهم وقنابلهم منا، فنحن لسنا قلقين جدا حول كيفية استخدامها في نهاية المطاف، سواء كان ذلك لمحاصرة اليمن، او لتهديد قطر، او لقمع وحشية الاحتجاجات في البحرين، أو تخويف مواطنيها. وبالنظر إلى شخصية ترامب التجارية من خلال عقد صفقات والحصول على وظائف التصنيع في الولايات المتحدة، فضلا عن قدرته على الإطراء السعودي، فإن إدارته من غير المرجح أن توقف حليفنا الأكثر إزعاجا في أي وقت قريب.

وعلى الرغم من نزيف اليمن المستمر، فإن التغطية الإعلامية في وسائل الإعلام الغربية للحدث لاتجد فيها الحقيقة على الإطلاق، وتميل إلى أن تكون ذات بعد واحد “صحافة مضللة” يصدرها صحفيون غير خبراء، وتركز فقط على البعد الطائفي في الصراع السعودي الإيراني.

جزء من المشكلة هو أن اليمن مكان خطير لذهاب الصحفيين الى هناك. وقد لاحظ جاريد مالسين في مجلة “كولومبيا” للصحافة في عام 2015، بعد بدء الحرب، أن الصحفيين الأجانب كان لديهم صعوبة بما فيه الكفاية لتغطية الحرب فعلا وعدم سرعة بث الإنترنت في اليمن يعوق الصحافة المحلية من المواطنين والمهنيين على السواء. غير أن التحديات المماثلة لم تمنع تغطية أكثر قوة لسوريا والعراق. كما قد لا تجتذب الحرب في اليمن نفس النوع من الاهتمام لأن لاجئيها لا يصلون إلى الشواطئ الأوروبية، وبالتالي فإن الأزمة لا تؤثر على الغرب مباشرة.

ورغم أن الحوثيين أظهروا الكثير من الاستخفاف بحقوق الإنسان وارتكبوا جرائم حرب، ولكن بالمقارنة مع ما ينفقه السعوديون على الحرب في اليمن، وبحسب دراسة جديدة لجامعة هارفرد، قد تكون كلفة الحرب في اليمن 200 مليون دولار في اليوم على السعودية. ومن المفارقات انه رغم ما تسبب به السعوديون من دمار شامل في اليمن، والتكاليف الباهظة التي انفقوها، فإن السعوديين قد يخسرون الحرب، أو يصبحون على الأقل متورطين في مستنقع عويص.

واحدة من أخطر صفات الحرب هي أنها مربحة إلى حد كبير لأمراء الحرب، والخلايا الإرهابية. وفي الوقت نفسه، لا يشكو مصنعو الأسلحة الأمريكية من تلك الآثار الكبيرة التي تسببتها السعودية.

ما يجعل الحرب في اليمن مخيفة حقا أن الدولة كانت بالفعل في حالة هشة: أفقر بلد في المنطقة العربية، مكتظ بالسكان ويعتمد اعتمادا كبيرا على الواردات، وأكبر مشكلة في البلاد هي أن مواردها تجف. وقد أدى ازدهار السكان وصعود اقتصاد المحاصيل النقدية إلى الإفراط في استغلال الموارد الشحيحة، التي تفاقمت بسبب آثار تغير المناخ، وأصبح اليمن الآن من أكثر البلدان التي تعاني من الإجهاد المائي في العالم. ويعتقد بعض الخبراء أن صنعاء قد تصبح العاصمة الأولى في العالم التي تنفد منها المياه تماما – وليس عقودا من الآن، ولكن بحلول عام 2025 – إضافة إلى أن المياه القليلة التي في المدينة أصبحت الآن ملوثة بالكوليرا.

ما لم يتم القيام بأي شيء للتخفيف من أزمة المياه في اليمن، وخاصة إذا استمرت الحرب في تدهور البنية التحتية، فاليمن مرشح قوي لأول أزمة مناخ في العالم. فبين الحرب والمجاعة والمرض وتغير المناخ واللامبالاة في العالم، فإن الأرض المعروفة لدى اليونانيين والرومان بأنها “العربية السعيدة” هي في طريقها إلى أن تصبح غير قابلة للحكم، إن لم تكن غير صالحة للعيش فيها.

*مجلة “نيويورك” الأمريكية
*جونا شيب

التعليقات

تعليقات