كتب: محمد عايش

عدتُ من صعدة ومن لقاء مع السيد عبد الملك الحوثي بدعوة كريمة منه.
وكان لقاءً مثمراً، حيث انتهى إلى توجيه صريح منه بإطلاق سراح زميلنا الإعلامي المحكوم بالإعدام يحيى عبد الرقيب الجبيحي ونجله، وسرعة معالجة قضية العشرة الإعلاميين المعتقلين والإفراج عنهم في أقرب وقت.

لم يكن زعيم أنصار الله مضطرا للكذب علي، ولا يليق بي أن يعتبرني كاذباً إذا كذبت هنا لمصلحته: لقد فوجئ الرجل بخبر حكم الإعدام، وقال لي: لست وحدك من تفاجأ، أنا تفاجأت أيضا.
وأردف: لدينا مشكلة في الأمن ومشكلة في القضاء، طالبناهم كثيرا بإحالة المتهمين باغتيال الخيواني والمتوكل وشرف الدين وجدبان وغيرهم إلى المحكمة، فلم يتم ذلك، وفجأة إذا بنا نسمع عن حكمهم على صحفي بالإعدام!

ليست المرة الأولى التي أعرف فيها موقفه هذا، فبعد أن كتبت مقالاً قاسيا يوم صدور الحكم ضد الجبيحي، نقل إليه المقال فعلق مستغربا: ما لقوا إلا صحفي يحاكموه بالعمالة؟!!!
ثم وجه بالتحقيق. ولولا بعض العراقيل البيروقراطية لكان الجبيحي قد أصبح بين أهله على الأقل قبل أسابيع من الآن.

بينما كان الحديث يزداد سخونة شردت بذهني قليلا وقلت بيني وبيني : هذا قائد عسكري تحت إمرته 140 ألف مقاتل على الأقل، ويعيش تحت ضغط واحدة من أشرس حروب العالم المعاصر على الإطلاق، ولٓدٓيّ مع ذلك الجرأة الكافية لأناقشه في قضايا الحقوق والحريات وأطالبه بالإفراج عن عشرة إعلاميين متهمين بالعمل علناً، ومن داخل الأرض التي يسيطر عليها، في صف الطرف المحارب له!! إما أنني خفيف عقل أو أن صدر هذا الرجل واسع بما يكفي لاحتمال هذا “الترف” الحقوقي.

أو أنه لا هذا ولا ذاك، وكل الحكاية أننا يمنيون، فعبد الملك الحوثي ليس السيسي وليس أردوغان.. بل هو يمني فقط، ولطالما اعتاد اليمنيون، وسلطاتهم، على إدارة أمورهم بالتصالح والتسويات والحلول الوسط، حتى أن بلدهم لم تشهد في تاريخها ديكتاتوراً، ولم تصلح في يوم من الأيام لتكون أرضا لنظام دكتاتوري أو لسلطة قمع شمولية.

حين احتد قليلا، سرد لي بعضا من مظاهر القمع في العالم وفِي التاريخ قياسا بالحد الأدنى من الحريات الذي حافظ عليه تياره منذ دخوله صنعاء، مستدلا بكونهم لم يعتقلوا إلى ما قبل العدوان “قيادياً إصلاحياً واحداً مثلاً”؛ ثم سألني باستنكار: أي بلاد يمكن أن تجد فيها حربا وحريات؟؟!!!

لم أفكر كثيراً، وأجبته: بلاد عبد الملك الحوثي.
ضحك، واستأنف: “مع ذلك سأوجه بإطلاق سراحهم، نحن لم ولن نعتقل أحدا لأنه ينتقدنا أو يهاجمنا، لكننا لن نتسامح مستقبلاً مع من يناصر العدوان ويستقطب، عبر الإعلام أو غيره، لمصلحة من يقتلنا ويقتل نساء وأطفال اليمن كل يوم”.

خارج هذا، دار بنا الحديث ليتطرق لمواضيع أخرى: الحرب، الحكومة، أوضاع الجبهات، العلاقة بين أنصار الله والمؤتمر الشعبي العام، وهذا الموضوع الأخير هو موضوع الساعة، ولا أخفيكم أنه موضوع مقلق..

الأمور ليست على ما يرام، وإذا لم يُكبّر أحد الطرفين عقله قبل 24 أغسطس فإن طين الحرب والأزمة سيزداد بلةً، وقد نكون على موعد مع تطورات دراماتيكية.

لا صحة هنا لكون ما يحدث مجرد صراع على السلطة بين شريكيها، أو منافسة على الجماهير من قِبلهما، الأمر يتعدى ذلك لحدودٍ صارت لها علاقة، في تصورات بعض الفاعلين؛ بـ”مشاريع سعودية إماراتية جديدة” ضمن محاولات الدولتين لفك عقدة الحرب الفاشلة ضد اليمن.

لن أخوض في التفاصيل، كي لا أساهم في صب الزيت على النار، فهذا آخر ما تحتاجه مصلحة البلاد، ولكن واستنادا إلى ما سمعته من قيادات فاعلة في المؤتمر ثم ما استمعت إليه من زعيم أنصار الله، الذي كان للأمانة متعقلاً جداً؛ أستطيع القول إن الوضع معقد.

وقد تواصل صالح مع عبد الملك مؤخراً، تواصلاً أرجو، بالاستناد إلى المرونة الذي كان عليها كل منهما، أن يفضي لحل.

الرهان هو فقط في العودة إلى الرشد وتغليب المصلحة العامة. وبغض النظر عن استفادة السعودية من انقسام تحالف صنعاء أو عدم استفادتها؛ فإن البلاد لم تعد تحتمل مزيداً من الصراعات والتشظيات العنقودية كما أشرت في مقال سابق.

التعليقات

تعليقات