المشهد اليمني الأول/ العربي

ما تزال الخلافات السياسية بين حزب «التجمع اليمني للإصلاح» ودولة الإمارات العربية المتحدة، قائمة، بل تتطوّر يوماً بعد آخر.

وعادت في الأيام الأخيرة، الحرب الإعلامية بين الطرفين، بشكل أوسع وأكبر. ففي حين أعادت مواقع «الإصلاح» حملتها الإعلامية ضد الإمارات، واستأنفت نشر تقارير تستهدفها، عاودت صحف إماراتية نشر قوائم صحافيين يمنيين تتهمهم بالخيانة والعمالة لدولة قطر.

ولعل التطوّرات الإعلامية هذه ناتجة في الأساس عن تطورات سياسية، شهدتها الساحة اليمنية بشكل عام. تطوّرات بعضها يشير إلى انفراج، وبعضها الآخر إلى ترتيب مواقع وحسابات المرحلة المقبلة.

وفي هذه الأجواء، تفاجأ الشارع اليمني بمواقف جديدة صادرة عن حزب «الإصلاح» في محافظة تعز، والذي أصدر بياناً أثار الكثير من الجدل في الأوساط السياسية، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام المحلية والعربية المختلفة، تبنّى فيه الدفاع عن دور الإمارات، وأيّد مساعيها التي قال إنها تتم من أجل اليمن وتحريرها. أكثر من ذلك، فقد اتهم البيان مَن يهاجم الإمارات بأنهم «أصوات نشاز وأقلام هابطة ومرتزقة».

بيان «الإصلاح» تعز هذا، وحالة الجدل التي أوجدها، جاء فيما لاتزال الإمارات تعتبر الحزب، جناحاً سياسياً لجماعة «الأخوان المسلمين» التي تصنّفها كـ«حركة إرهابية».

ومن هذا المنطلق، تقوم أبوظبي بدعم العديد من الحركات السلفية وبعض الأجنحة العسكرية، كما تقوم بإنشاء قواعد عسكرية خاصة، فضلاً عن استخدامها عدة أوراق إعلامية وسياسية، كل ذلك من أجل الحدّ من نفوذ «الإصلاح» وانتشاره في اليمن عموماً، وفي المحافظات الجنوبية تحديداً.

 

لعل التطوّرات الإعلامية هذه ناتجة في الأساس عن تطورات سياسية شهدتها الساحة اليمنية بشكل عام

الكثير من الناشطين السياسيين والصحافيين المحسوبين على «الإصلاح»، ذهبوا نحو مهاجمة فرع الحزب في تعز، واعتبروا ذلك نوعاً من السخف، واتهموا مَن أصدر البيان بأن هدفه البحث عن المال.

أطراف أخرى باركت البيان واعتبرته خطوة مهمة وجيدة، خصوصاً تلك المدعومة من الإمارات، ومن بينها الطرف السلفي في تعز الذي يقوده أبو العباس، والذي أعلن مباركته الموقف، وقال إنه إيجابي، خصوصاً إذا ما كان جاداً وليس مجرد لعب، بحسب قوله.

المعلومات التي حصل عليها «العربي» من مصادر سياسية يمنية في الإمارات، تفيد بأن الإمارات تشكّك في بيان «إصلاح تعز»، لافتة إلى أن البيان لا يمكن أن يغيّر من سياسة أبوظبي ودورها القائم والمقبل. وأشارت المصادر إلى أن «الإصلاح» يشعر الآن بضغط كبير من قبل الإمارات، خصوصاً بعد التحرّكات الأخيرة لها في شبوة ومأرب وبعض مناطق الجنوب الأخرى.

ولهذا، يحاول أن يلعب دور مختلف غير معادٍ، ووضعت بيان تعز في إطار «التكتيك السياسي الحاصل»، موضحة أنه لا يعبّر عن انقسام أو تمرّد داخل الحزب.

وفي المعلومات، فإن قيادات سياسية في حكومة «الشرعية» اقترحت على «الإصلاح» إصدار بيان يبدّد مخاوف أبوظبي التي تمانع تحرير تعز، منذ أن أصبح ملف تعز العسكري بيد الإماراتيين، وتحدثت قيادات في «التحالف» للرئاسة اليمنية عن مخاوف الإمارات من عملية تحرير تعز، إذ ترى أن تحرير المحافظة، في ظل سيطرة «الإصلاح» على الجيش ومفاصل المؤسسات الحكومية فيها، ومهاجمة أنصاره للإمارات، يعني تسليم تعز إلى «الأخوان».

وفي هذا السياق، يقول السياسي اليمني خالد بقلان، لــ«العربي»، إن «بيان الإصلاح الصادر عن فرع تعز أتي ضمن عملية تبادل أدوار ومحاولة خطيرة من قبل نخبة الشرعية وحزب الإصلاح لجر التحالف العربي للتعامل مع الإصلاح بشكل مباشر، من أجل إدانة التحالف، كي تضمن نخبة النظام القديم وأحزابه، وعلى رأسها حزب الإصلاح، طي صفحة التحالف، وتقديم خدمة لحليفهم وممولهم القطري، الذي يجاهد لتقديم دلائل تدين المملكة والإمارات بالتعامل مع أحزاب دينية مصنّفة، ولها ارتباط بتنظيم الأخوان»، معتبراً أن «حزب الإصلاح هو آخر حزب سوف يشهد انقسامات، فهو لازال متماسكاً ويلعب أدوار خطيرة لا تواكب إلا مصالحه وتوجهاته».

ويرى بقلان، أنه «مهما حاول الإصلاح أن يبدي تقارباً مع الإمارات في بياناته، إلا أنه يضمر عداءً كبيراً لها، ويعمل على شيطنتها، ويسوّق الشائعات التي تسيء لها، فهو يجيد ممارسة الازدواجية، ويسعى حالياً لبحث السبل التي من شأنها أن تؤدي إلى تسويه، كي يظل هو أحد أهم ثلاث تيارات تتقاسم الشمال، إلى جانب الحوثيين وصالح»، معتبراً أن «ما صدر عن البرلماني القيادي في الإصلاح، محمد الحزمي، يؤكد مساعي محسن والإصلاح لطي صفحة التحالف لغرض عدم تحرير الشمال من الهيمنة، وضمان بقاء السيطرة على منابع وحقول نفط صافر، التي كانت ولازالت مواردها تذهب إلى مراكز النفوذ، وفي مقدّمتها محسن وشركاؤه والإصلاح».

مراقبون يرون أن بيان «إصلاح تعز» يعبّر عن انعدام الخيارات وانسداد الأفق لديه، ومَن تنعدم عنده الخيارات يسلك السبيل الأيسر والمتاح، مهما بدا متضاداً مع الواقع والآمال، خصوصاً في ظل سلطة شرعية رخوة تركت لدول «التحالف» الحبل على الغارب، من دون احترام لقواعد الاشتباك وأهداف التدخل أو التعامل الإلزامي مع مؤسسة الدولة الشرعية، حكومة، وجيش ورئاسة دولة.

 

مَن يتحكم بمعركة تعز هم الإماراتيون لا غيرهم

فلا يمكن لبيان «إصلاح تعز»، وغيره من المواقف، أن تغيّر خارطة التحالفات، فدول «التحالف» أعلنت أهدافها المتمثلة باستعادة الدولة إلى كنف السلطة الشرعية، لكن الأداء على الأرض خلال العامين والنصف، يفصح عن أهداف مسكوت عنها، من بينها السيطرة والاحتلال وإعادة اليمن إلى مربع البداوة الأولى، بحسب المراقبين، الذين رأوا أن تدريب دول «التحالف» قواتها الجوية والبحرية على حرب حقيقية مفتوحة وطويلة الأمد، ما هو إلا استعداد لأي مواجهات مستقبلية محتملة أو مفروضة مع أي أطراف أخرى في المنطقة.

ويواجه حزب «الإصلاح» في تعز، تماماً كما في بعض المحافظات الجنوبية، ضغوطاً كبيرة وحرب صارت مكشوفة من قبل الإماراتيين. مصادر سياسية في تعز، أكدت لـ«العربي»، أن الإماراتيين الذين يشرفون على معركة تعز ويتحكمون بها، شدّدوا في الفترة الأخيرة على قيادات الجيش وطالبوهم بتصفية جميع القيادات «الأخوانية» من مربع المقاومة، وأجروا تحقيقات عن عدد من القياديين المحسوبين على «الإصلاح».

وأكدت المصادر أن «مغادرة الشيخ حمود سعيد المخلافي، قائد المقاومة، كان بطلب إماراتي، لذا فإن أمر عودته صار مستحيلاً»، وتشير إلى أن «الإماراتيين طلبوا من قيادة الجيش والمقاومة عدم التعامل مع السلطة الشرعية وعدم قبولها تنفيذ أي توجيهات سواء سياسية أو عسكرية».

مصادر عسكرية في قيادة الجيش بتعز، قالت لـ«العربي»، إن «الجيش الآن لا تواصل له مع الشرعية ولا يعترف بها، وهو يعمل ضد ممثلها في تعز، المحافظ علي المعمري، خصوصاً وأن التحالف هو من يَدفع موازنة الحرب. لذا، فإن الجيش يهمه الدعم والمال والسلاح، وطالما التحالف يدعم ويقدم المال فلا داعٍ للمهاترات والاعتراف بشرعية أو غيرها».

وعلى الرغم من ذلك، تقول المصادر إن «الإمارات ما زالت غير واثقة بالجيش، وراحت تصنع لها حلفاء جدد»، مشيرة إلى أن «آخر حليف صارت الإمارات على تواصل مستمر معه هو القيادي السلفي أبو العباس».

وتؤكد المعلومات في هذا السياق، أن مَن يتحكم بمعركة تعز هم الإماراتيون لا غيرهم. فهم من يحركون المعركة وهم من يخمدونها، وهم من يعرقلونها أو يصدرون أوامر الانسحاب أو التقدّم. ومن هذه الزاوية، جاء بيان «إصلاح تعز»، الذي يتعرّض لحرب شرسة يأمل أن يتّقي شرّها.

التعليقات

تعليقات