المشهد اليمني الأول/ صلاح السقلدي – العربي

ضحى الوضع في اليمن – وفي الجنوب الذي تتواجد فيه قوة عسكرية إماراتية كبيرة على وجه التحديد – يعيش على صفيح ساخن، وفي حالة ترقب مشوب بالقلق من قادم الأيام، خصوصاً حين يصل الأمر إلى أن يتهم البنك المركزي، الذي يرأسه السيد منصر القعيطي، وهو من المسؤولين المقربين من هادي – بينان رسمي له دولة الإمارات بإعاقة وصول مرتبات موظفي الدولة إلى مطار عدن – وتتعالى أصوات جنوبية بوجه الوجود الإماراتي، وحين يصل الأمر أيضاً إلى اعتقالات تطال عدداً من القيادات الأمنية الجنوبية في عدن من قبل قوات «التحالف» (الإمارات)، بتهمة السطو على معدات عسكرية وأسلحة.

فدائرة الشحن الإعلامي والسياسي في الأيام والأسابيع الماضية اتسع قطرها بشكل كبير في عدة اتجاهات، وأصبحت مثخنة بشدة، ولكن أخطرها هو ما نراه من تدهور بشكل مضطرد في العلاقة بين دولة الإمارات العربية المتحدة من جهة، وحزب «الإصلاح» وجنوبيي «الشرعية» من جهة أخرى، وبالذات بعد انضمام مفاجئ لأصوات كثيرة من الجنوبيين إلى مناهضة السياسة الإماراتية بالجنوب، بل والنظر إليها كدولة احتلال، وهي النظرة التي دأب عليها حزب «الإصلاح» منذ شهور.

وهذا يعني بالضرورة أن ثمة تماهياً كبيراً قد طرأ بين خطاب جنوبيي «الشرعية» وحزب «الإصلاح» إزاء الإمارات، وأخذ له إيقاعاً متسارعاً يصعب ضبطه حتى اللحظة، زاد صخباً بعد استدعاء الرياض، يوم الأحد الماضي، لرئيس حكومة هادي، أحمد بن دغر، ومحافظ عدن، عبد العزيز المفلحي، على خلفية ما يعتقد به أتباع هادي و«الإصلاح» أنها ضغوط إماراتية للإطاحة بالمحافظ، وربما برئيس الحكومة نفسه، وهذا التفسير يناقض تكهنات قوية تحدثت في الأيام الماضية عن خلافات حادة تعصف بعلاقة الرجلين، بن دغر والمفلحي، خصوصاً بعد التقارب الكبير الذي أبداه الأول مع الجانب الإمارتي.

قالت العرب: «شر الرأي الدُبري»، يراد به الذي يجيء بعد أن فات الأمر. فاعتبار الإمارات دولة احتلال بعد عامين ونصف عام من الحرب من قِبل المرحبين بها وبـ«التحالف» ككل من أول يوم، لا يمكن أن نعتبره موقفاً وطنياً نابعاً من الحرص على سيادة البلد وكرامته هبط من السماء فجأة على هؤلاء؛ فكل هذه الأصوات تقريباً، سواءً الشمالية أو الجنوبية، كانت ترى في الإمارات، إلى قبل أشهر، بل قل إلى قبل أيام، الدولة المخلّصة لها من «الإحتلال الشمالي» في عدن، ومن «الإنقلابيين» في صنعاء، حين كانت ثمة فوائد ومكاسب مالية ومادية توزعها الإمارات في كل الجهات.

إعتبار الإمارات دولة احتلال من قِبل المرحبين بها من أول يوم لا يمكن أن نعتبره موقفاً وطنياً

وبالتالي، فمثل هذه الأصوات لا يمكن أن نضعها في مربع واحد مع الأصوات الشمالية والجنوبية التي رفضت الوجود الإماراتي والخليجي من أساسه، ورأت فيه وفي هذه الحرب مجازفة خطيرة تتم بالتوازي مع دخول هذا الكم الهائل من دول المنطقة والعالم، وتناسل وتقوية وجود التيارات الدينية الفكرية المتشددة على الساحة الوطنية، خطراً على مستقبل البلد كلها، وليس فقط على القضية الجنوب؛ فكثرة اللاعبين وتعدد نواياهم وتشعب أهدافهم وتمدد جيوشهم، جنباً إلى جنب مع تغول دور الحركات المتشددة، لن يزيد الأمور في اليمن وفي الجنوب إلا تعقيداً وضبابية وضياع، وسيجعلها ساحة صراع اقتصادي وسياسي وفكري وأيديولوجي مفتوحة، سويزيد من تشظي الجبهة الداخلية نتيجة ما سيتم لنخبها من استقطابات واستمالات تحت بريق المال والمناصب والوجاهات، وهذا للأسف ما حصل ويحصل اليوم.

نقول إن الأصوات التي ارتفعت اليوم فجأة، معتبرة الوجود الإماراتي احتلالاً وخطراً، بعد أن أُغلق بوجهها صنبور المال الإماراتي وفُتحت لها عوضاً عنه صنابير من جهات أخرى، لا يمكن أن نضعها في المربع نفسه مع الأصوات الصادقة التي رأت في الحرب من أساسها احتلالاً وخطراً على البلاد، برغم ما كان يعيشه البلد من وضع بائس في الشمال وفي الجنوب، ولكن إضافة حرب شاملة ليس من بين أهدافها شيء إسمه إنصاف الجنوب واستعادة حقوقه المسلوبة، فهذا لن يكون – وقد بات واقعاً اليوم – إلا وبالاً على الجنوب وعلى مستقبله، ويشكو منه أكثر المتحمسين لهذه الحرب أنفسهم. كما أن دخول لاعبين إقليميين ودوليين كُثر، بأهدافهم المريبة المعلنة، إلى ساحة هي مضطربة أصلاً، لن يكون إلا صبّاً لمزيد من الملح على الجرح الملتهب أساساً، وهذا ما نراه اليوم ونكتوي بألمه وحرقته جميعنا دون استثناء.

فبعد أن دبّ الخلاف بين «الشرعية»، أو بالأصح بين جماعة هادي وحزب «الإصلاح» من جهة، ودولة الإمارات من جهة أخرى، على خلفية ما يعتبره هادي وحزب «الإصلاح» نفوذاً إماراتياً وتغييباً لدورهما، بعدما وضعت أبوظبي يدها على منابع النفط والغاز، انعكس هذا الخلاف على القاعدة التحتية لهذه «الشرعية»، أي انعكس على خطاب أنصارها ومؤيديها، هذا إذا لم نعتبر أن المسألة هي انعكاس للتباينات والتنافس السعودي الإماراتي على الفوز بمكاسب الحرب في هذا البلاد، المكاسب السياسية والاقتصادية، وبالذات المتعلقة بالنفط والغاز والموانئ والجزر والممرات. بمعنى أدق، فإن هذه الأصوات ليست إلا صدىً ورجعاً لأصوات كبيرة أخرى.

وحين نقول هذا الكلام، فإننا ننطلق من حقائق على الأرض. وهي: لماذا صمت هؤلاء على ما يعتبرونه اليوم احتلالاً إماراتياً إلى اليوم؟ ولماذا يتذكرون السيادة الوطنية عند كل إقالة تطال مسؤولاً من مسؤوليهم تقف الإمارات وراء إقالته؟ لماذا لم نر منهم أي نقد أو موقف وطني صريح بوجه الأخطاء الإماراتية وأخطاء «التحالف» كله، والأخطاء التي ترتكبها «الشرعية» والجماعات المسلحة التي تم استقطابها وتسليحها بإشراف هذه «الشرعية» وبدعم إماراتي خارج سياق مؤسسات الدولة وخاصة الأمنية والعسكرية، مؤسسات الدولة التي تم إدخالها في حالة موات دائم حتى اليوم؟ هذا علاوة على صمتهم إزاء المظاهر الأخرى من فساد ونهب وبسط على ممتلكات الدولة والمواطنين، وعدم تسجيلهم موقفاً واحداً حيال حالات الإنتهاكات الإنسانية التي طاولت كثيراً من الأبرياء في الفترة الماضية، حين تم طرد أسر بحالها بنوازع مذهبية كما حدث في مدينة كريتر لأبناء الطائفة الإسماعيلية والبهرة وغيرهم، وغيرها من الإنتهاكات.

وأخيراً وليس بآخر: لماذا يؤيد هؤلاء الجنوبيون (جنوبيو الشرعية)، الذين يرون في الإمارات دولة احتلال، إرسال أبناء الجنوب للحرب تحت إمرتها في المخا طالما وهي دولة احتلال؟

التعليقات

تعليقات