كتب: فؤاد الجنيد

الحرب سرطان الشعوب، والرصاص إذا ضاجع البنادق لن ينجب إلا جيلاً من الأيتام، وكلما طال أمد الحرب كُتبت حياة جديدة لآلاف الأخبار العاجلة.

ولكن يبقى السؤال: لماذا جاءت الحرب أصلاً؟ وكيف تهيأ مناخها وحرثت أرضها ونبت زرعها؟ وأين كان اليمنيون الذين يتوجهم نعت الصادق الأمين «الأرق أفئدة» و«الألين قلوباً» مما جرى ويجري؟ كان اليمنيون، حكاماً ومحكومين، سلطة ومعارضة، يعيشون تحت ظل عالم افتراضي مقيد بسياسة المنطقة والإقليم، ومشغولين بالاهتمام بغيرهم؛ فالسياسي مشغول بأردوغان وهولاند، والرياضي مهتم بالبارشا والريال، والطبيب مشغول باستنساخ الفئران في شرق كندا، والعلامة مهتم بفتوى نزع النقاب في النرويج، بينما اكتفى المواطن بمتابعة المسلسلات المدبلجة ذات الأجزاء المتتابعة طيلة العام الواحد. كل ذلك على حساب الإهتمام بالذات والبلد، وعلى حساب ثقافتنا وسلوكياتنا التي حلت محلها ثقافات دخيلة لا تليق بنا ولا تتناسب مع فكرنا ومجتمعنا.

لقد كان المجتمع اليمني متماسكاً وصلباً طيلة فترة تأريخه الحديث، ولا علاقة لما يجري الآن بجينات الماضي أو كينونة الحاضر، لكنها رياح التغيير اللعينة التي بدلاً من أن تغير العالم السياسي فقط، عملت على تغيير الإنسان برمته بما في ذلك فكره وسلوكه وأخلاقه.

في العام 2011م، ساد الإعتقاد الخاطئ بأن احتشاد الجموع في الساحات مؤشر إلى الحرية والانعتاق، لكنه لم يلبث طويلاً حتى تغير مع تطور الأحداث لتصبح الجموع دليلاً على العبودية والانقياد. فكل الجموع والحشود، وإن اختلفت مسمياتها وساحاتها، لم تفعل شيئاً لتحقيق مصالح نفسها بقدر ما سخرت لخدمة غيرها، حتى وصلت حد التضحية والفداء، وهذا لا يلغي أملنا بالتصحيح والاستدراك في تفعيل هذه الجزئية تفعيلاً حقيقياً مسؤولاً، مع إيماننا بأن السلام سيعم يوماً ما، وينعم معه اليمنيون بحياة كريمة إذا خرجت مثل تلك الحشود الجوعى والجموع المكلومة، وضحايا الحرب والبؤس لمحاكمة جلاديها ومحاسبتهم، لا تمجيدهم والتطبيل لدينهم وديدنهم بشكل رتيب ومستفز.

إننا إذا ما عدنا للوراء قليلاً، وتحديداً لعشرة أعوام خلت، سنرى كيف كان اليمنيون وكيف أصبحوا، وكيف استطاعت حيثيات الصراع أن تمسخ هويتهم وتتلف إنسانيتهم. كانت كل محافظات الوطن منقوشة في قلوبهم، لا يهمهم الإسم ولا المسمى، فكل محافظة ومدينة تعني لهم اليمن. تدلف بقدميك دخولاً لمطعم «حضرموت»، فتجد «الشيف» من تعز و«الجرسون» من وصاب. وتحلّ ضيفاً في فندق «صنعاء»، فتجد الخدمات «مهرية» والقائمين عليه من لحج الخضيرة. لا حبل إلا الود، ولا مشاعر عدا الحب بين أبناء الوطن الواحد، من يمتلكون رغبة قوية ودافعاً تلقائياً كبيراً لاكتساب الثقافات المتعددة، والاندماج والاختلاط مع كل أطياف المجتمعات والبيئات اليمنية شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً. يقضون أوقات المقايل اليومية مع بعضهم، وتشاركهم شاشات التلفاز ومحطات الراديو نشوتهم في الأنس والكيف برابطة الفن الواحدة والأصيلة، فمن أوتار السنيدار الصنعانية إلى شرح فيصل علوي اللحجي، ومن ترانيم أيوب طارش التعزية إلى ايقاعات الحارثي الكوكبانية، ومن موسيقى عطروس ومحمد سعد ودان أبو بكر سالم إلى جلسات مشعجل المدهشة… الكل يستقي شلالات الفن من نبع حب اليمن وعشقها، والكل يطرب ويتراقص ويؤثر ويتأثر دون تقوقع أو انغلاق. حالة الطقس كانت آخر محطة في نشرة الأخبار الرئيسية، فتبدأ بصنعاء ثم عدن، تعز فالمكلا، قبل أن تنتهي بالمخا وسقطرى، حتى صار اليمنيون يحفظونها عن ظهر قلب بنفس الترتيب دون العودة لتعاريج الخريطة.

لقد كان المجتمع اليمني متماسكاً وصلباً طيلة فترة تأريخه الحديث

علمياً، تفتح الجامعات اليمنية أحضانها للجميع دون قيود أو شروط، وفي عينة لحفلات التخرج الجامعية يتصدر ترتيب الدفعة طالب من المحويت، والمركز الثاني ينصرف لطالب من شبوة، والثالث لطالب من الجوف، وكلهم مع باقي دفعتهم في أحضان بعضهم، ودموعهم منهمرة غير مستوعبة لحظات الفراق. حتى المسلسلات المحلية لم تكن تعترف بالتنوع الجغرافي أو الإجتماعي القائم على أساس الفرز الجالب للعصبية أو الفرقة، فتجد سيناريو العمل مشتركاً ومتناغماً ومتداخلاً، الأب صنعاني والأم عدنية، والولد عتمي والبنت تهامية، وأجواء المسلسل تشمل كل أفياء الحياة اليمنية.

كانت المساجد اليمنية تعيش التعايش المطلق فكرياً وعقائدياً، ولا تترك لهوامش الفروع التأثير على أمهات الأصول، فتجد في المسجد الواحد المؤذن زيدياً والخطيب شافعياً والإمام سلفياً، وخلفهم المصلون بين مسربل وضام في صعيد واحد وصف واحد، يتصافحون دخولاً وخروجاً، ولا يعرفون معنى مذهب أو أيديولوجيا. حتى في أوقات التسلية والترفيه المستقطعة، كانت مشاعرهم تجتمع قاطبة في مباراة كروية غير متكافئة لمنتخب البلد مع نظير آخر، تتحد فيها نظراتهم، تتعالى هتافاتهم، وتكسو البسمة محياهم، يعيشون جواً جماعياً حتى وإن افترشوا منازلهم، وبمجرد أن تخترق الكرة شباك مرمى منتخب بلدهم، تحمر وجوههم خيبة، وتتشطط عيونهم غضباً، وتجثم على قلوبهم كوابيس الألم وتناهيد الحسرة. يلعنون ذلك الهداف السفاح الذي انتهك حرمة الدفاع، وعكّر فرحة الملايين، وحطّ من مستوى رياضة البلد، وسرق إنجاز شبابها، وخطف حسنات الدقائق التسعين.

لم تكن هذه المشاعر نتيجة لحقد متراكم، ولا لعداء حديث مع منتخب الفريق الخصم مطلقاً، ولا حتى كرهاً في البلاد التي يمثلها ويحمل صفتها في المشاركة والمنافسة، بل هي مشاعر فطرية صادقة يدفع بها سلوك نفسي عميق ترعرع متأصلاً على عشق الهوية وكرامة الذات، سلوك لا يحتمل أن يرى مقام بلاده دونياً، أو يجد في مساره ما يمس الإعتزاز، وينقص من رصيد المجد والشموخ، أو يعرج على تفاصيل تأريخ الإنسان وجغرافيا الأوطان بالسخرية والاستهجان أو الإلغاء والامتهان.

اليوم، يخترق العدوان الدفاع، ويسحق الوسط، ويحرق الجناحين، ويستبيح حرمة المرمى بقذائف الموت، ثم لا تتحرك تلك المشاعر مطلقاً ولو بوجوم المتنكر أو بعبوس المتقنع، بل على العكس من ذلك، تعلو الهتافات فرحاً، وتتماوج الأذرع والكفوف حمداً وشكراً للقاتل المحرر والهداف المحترف من عشرات الجنسيات. لم يكن أسوأ المتشائمين يتوقع ولو لبرهة من الزمن أن يصل النسيج الإجتماعي اليمني إلى هذه الحال من التمزق الروحي والفكري، وقبله التعري الأخلاقي والوطني. فإلى وقت قريب جداً كان النسيج سليماً معافى، وكان اليمنيون لحمة واحدة وكياناً واحداً، لا يكترثون لدعوات التأطير الأيديولوجي رغم ارتباطه بالانتماء السياسي لبعض الأحزاب إلا في مواسم الإنتخابات فقط، ثم يعودون إلى حياتهم اليومية بصورة طبيعية كالسابق.

في بداية كل نشرة للأخبار، كانت تطالعهم مفردات: دشن، افتتح، نظم، حضر، شهد، وبمجرد سماع عبارات مبدوءة باستشهد، قتل، جرح، يغيرون قناة الأخبار لإيمانهم بانتهاء الأخبار المحلية، فمثل تلك المفردات لصيقة فقط بأقطار أخرى كفلسطين والعراق وما عداها من دول العالم العربي المجاور. وهروبهم من متابعة أخبارها ليس تنصلاً أو تقليلاً من شأنها، ولكن بسبب مشاعر الألم والقهر التي تنتابهم وهم يشاهدون فصولاً أليمة لبني جلدتهم، ويجدون أنفسهم عاجزين عن فعل أي شيء تجاههم وتجاه قضيتهم ومعاناتهم.

اليوم، لم يعد أحد من اليمنيين بحاجة لنشرات أخبار أو قنوات فضائية لتنقل لهم القتل والسحل والذبح، أو تطل عليهم بعبارات الـ«أكشن» الأحمر، فهم ببساطة صاروا من يتولى تنفيذ الجريمة وتوثيقها ثم إرسالها لمواقع التواصل الإجتماعي وقنوات الإعلام بصورة حية دون مونتاج. لم يعد اليمنيون بحاجة لبيانات شجب وإدانة واستنكار شعبية أو رسمية لتدخلات الخارج في قتل البشر وطمس الحجر، فهم شخصياً من طلبوا منه ذلك، بل ويشرفون على تحديد كافة الأهداف المشروعة وغير المشروعة للطائرات والبارجات، بما في ذلك الأهداف المدنية من نسائهم وأطفالهم وشيوخهم.

التعليقات

تعليقات