المشهد اليمني الأول/ فايز الأشول – العربي

أفضى مشروع الفيدرالية واليمن الإتحادي الذي بشّر به هادي، ولايزال متمسكاً به مع حكومته، إلى توسيع الشرخ المجتمعي وإفساح المجال أمام النزعات المناطقية ومراكز النفوذ القبلي والجماعات الدينية لاستقطاع من الجغرافيا ما تقوى عليه بنادقهم. حتى وصل التشظّي بسكان المحافظات الغنية، إلى السعي إلى الإستقلال بالسلطة والاستفراد بالثروة الطبيعية وتجزئة كل إقليم مقترح.

مسّ الضرّ موظفي القطاع العام في اليمن بسبب انقطاع صرف المرتّبات المالية لأكثر من عام، لكن الموظفين الحكوميين في محافظة مأرب يتسلمون مرتباتهم شهرياً من إيرادات النفط والغاز بالمحافظة التي انفصلت مالياً وإدارياً عن صنعاء وعدن.

كذلك الحال في محافظة حضرموت التي فرضت مراكز النفوذ فيها، وبمساندة من الإمارات، السيطرة على حقول النفط والغاز تحت يافطة المظلومية في البداية وصولاً إلى المجاهرة ورفع الصوت بشعار «حضرموت للحضارم»، والشروع في تنفيذه بتسريح أكثر من 500 عامل يمني من الشركة الوطنية الأولى في إنتاج واستكشاف النفط والغاز، التي كانت ترفد خزينة الدولة بـ 70% من الإيرادات. شركة «بترومسيلة» التي أنشئت في العام 2011 بقرار جمهوري كشركة قطاع عام وبرأسمال وطني 100% وبعمّال وموظفين من كل ربوع اليمن.

نهب وتدمير

نهب وفساد وتدمير ممنهج تعرّضت له شركة «بترومسيلة» مع الحقول النفطية والغازية والاستكشافية منذ بداية الحرب التي تقودها السعودية في اليمن منذ مطلع العام 2015 م. لم تصل قوات «أنصار الله» إلى حضرموت، لكن «الهبة الحضرمية» اجتاحت الشركة وحقولها النفطية والغازية، وحصل «العربي» على صوَر توثق نهب المعدّات والسيارات والكابلات و«الطبلونات» التابعة لمضخّات الآبار التي يتجاوز عددها 500 بئر، وبعدها تم تسريح عمّال الشركة بحجة الخوف على حياتهم من تنظيم «القاعدة» الذي تمدد حينها في محافظة حضرموت.

إستقطاع المرتبات

بموجب وثائق حصل عليها «العربي»، قامت الشركة بإخلاء مواقع العمل في مطلع العام 2015م، وإيقاف الإنتاج والأنشطة الاستكشافية، وإبلاغ الموظفين بعدم العودة إلى العمل حتى إشعار آخر.

التزمت السلطات في صنعاء بقانون إنشاء شركة «بترومسيلة»، وسلّمت مخصّصات الشركة عبر وزارة المالية والبنك المركزي مع الرواتب الشهرية لجميع العمّال والموظفين كاملة مع الإمتيازات. لكن رئيس نقابة العمّال والموظفين بالشركة، عمرو الوالي، قال لـ«العربي» إن إدارة الشركة وجّهت بصرف 75% من الراتب الأساسي فقط من دون إشراك النقابة أو إبلاغ العمّال بهذا الاستقطاع.

وفي حينها، أبدى العمّال والموظفون استعدادهم لقبول هذا الخصم استشعاراً منهم بالمسؤولية من أجل الحفاظ على الشركة ومقوماتها، ولم تكن وزارة المالية في صنعاء على علم بما تقوم به إدارة الشركة من استقطاعات مخالفة للقانون. وبعدها، وبحسب رئيس النقابة، قامت الوزارة بخصم جزء من التعزيزات المالية للشركة، ما أدّى إلى طلب الشركة من النقابة الإحتجاج على تصرّف وزارة المالية وإلزامها بدفع المخصّص المالي للشركة. وفي هذا يوضح عمرو الوالي، بأن النقابة قامت بترتيب الوقفات الإحتجاجية للضغط على وزارة المالية بصنعاء، ما جعل الوزارة تنصاع لمطالب العمّال، وتفرج عن جميع المبالغ الخاصة بالشركة، لكن الإدارة استمرت في استقطاع مرتبات العماّل والموظفين ومستحقاتهم.

صفقات مشبوهة

في أغسطس من العام 2016م، استأنفت «بترومسيلة» بيع النفط الخام بشحنة مقدّرة بـ3 مليون برميل نفط، وكشفت مصادر في الشركة لـ«العربي» أن صفقة بيع الشحنة تمت في الإمارات عبر مديرها محمد بن سميط، الذي يتواجد في دبي منذ أشهر. كما كشفت عن بيع 3 شحنات أخرى من النفط الخام بعد ذلك التاريخ. وأوضحت أن ما تم بيعه عبر مدير الشركة وموافقة عبدربه منصور هادي، منذ أغسطس 2016م، يقدّر بـ12 مليون برميل نفط خام، إلى جانب بيع كميات من الديزل والغاز المنزلي للسوق المحلية.

كما أفصحت المصادر عن قيام هادي، بتوقيع صفقات مع 3 شركات أجنبية وإشركها في الإنتاج والاستكشاف في القطاعات التابعة لـ«بترومسيلة» من دون موافقة البرلمان ومن دون معرفة النقابة، مضيفة أن الشركات هي «كناديان نكسن» في القطاع 51، و«توتال» في القطاع ،10 و«بتروسار» في القطاع 53.

توجيهات بن دغر

ليس بمقدور أكثر 500 عامل وموظف في «بترومسيلة» العودة إلى حضرموت للعمل في الشركة التي يراد لها أن تكون «حضرمية». فمن يديرون الشركة وقطاعتها اليوم من أبناء حضرموت ومقرّبين من المتنفذين فيها ينظّمون الحملات على مواقع التواصل الاجتماعي، ويطلقون الهاشتاغات على غرار «#بترومسيلة_حضرمية»، و«#لا_للعمالة_الشمالية_المتنفذة»، و«#مساندة_قيادة_بترومسيلة_الحضارم»، و«#خيرات_حضرموت_لأهلها».

وفي مقابل ذلك، تسعى النقابة لإرجاع الموظفين المبعدين من العمل والذين لم يعودوا يتسلمون اليوم سوى 30% من مرتباتهم الأساسية. كما اقترحت النقابة على إدارة الشركة تطبيق نظام التدوير الوظيفي بين الموظفين العاملين وبين الموظفين القابعين في منازلهم، وذلك حرصاً منها، كما تقول، على ألا يفقد العمّال مهارتهم المكتسبة في أعمال التشغيل والصيانة والإنتاج. رئيس النقابة عمرو الوالي، يقول لـ«العربي» إن إدارة الشركة لم تستجيب لمطالب النقابة ومضت قدماً باستخدام آلية مبهمة في استدعاء مجموعة من المدراء مع قلة قليلة من الموظفين والعمّال، ولم تشرك النقابة في الإطلاع على قانونية هذا الإجراء من عدمه.

ويضيف الوالي بأن النقابة لجئت إلى وزارة العمل والشؤن الإجتماعية التي أصدرت فتوى قانونية تُجرم الإستقطاع من أجور العمّال، كما حصلت على توجيه من رئيس حكومة هادي “أحمد عبيد بن دغر”، لإدارة الشركة بالإكتفاء بإيقاف خصم مرتبات ومستحقات العمّال والموظفين، كما وجه إدارة الشركة بالجلوس مع نقابة العمّال وبحث القضايا المتعلقة ومناقشة عودة العمّال لموقع العمل. لكن إدارة الشركة، وبحسب رئيس النقابة، رمت بتوجيهات رئيس الوزراء والفتوى القانونية عرض الحائط، وقامت بتكرار عملية الخصم على الموظفين، والتي وصلت إلى 70%.

بأي ذنب

عمّال وموظفو «بترومسيلة» المبعدون من أعمالهم طرقوا كل الأبواب، وأكد عدد منهم لـ«العربي» أنهم سلّموا إدارة الشركة «توجيهات من حكومة الإنقاذ بصنعاء فرفضتها بحجة أن الشركة صارت تتبع الحكومة “الشرعية” في عدن، وسلّمناها توجيهات من الحكومة الشرعية فرفضتها بحجة وجود مكتب للشركة في صنعاء وعليهم متابعته».

وأوضحوا أن «ما يحصل من تجويع وترهيب وتطفيش لهم هو لصالح مراكز قوى مستفيدة داخل الشركة، وأن رفع الظلم عن أبناء حضرموت لا يكون بظلم عمّال وموظفين لا ذنب لهم غير أنهم من مناطق خارج حضرموت».

كما ناشدوا حكومة هادي وكل جهات الاختصاص، «التدخّل السريع لوقف العبث بالشركة الوطنية، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتمكينهم من العودة إلى أعمالهم»، ملوحين بـ«اللجوء إلى القضاء كملاذ أخير لنيل حقوقهم إذا لم تكن هناك حلول عاجلة».

التعليقات

تعليقات