المشهد اليمني الأول| تقارير

بعد ترقّب دام طويلاً للمفاوضات الجارية في الكويت، يبدو أن الوجهة الرئيسة تعود لوجهتها السابقة، الميدان اليمني، حيث أفرزت التطورات الأخيرة معادلات جديدة لن تقتصر نتائجها على الميدان، لا بل ستطال طاولة الكويت مجدّداً.

ويبحث المتحاوران،وفدا القوى الوطنية والرياض،مستقبل الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من سنة ونصف.

في مشهد أول، حقّقت قوات الجيش واللجان الشعبية إنتصارات إستراتيجية بدءاً من صد عمليات الزحف المتكرّرة في مأرب والجوف مروراً بإحكام السيطرة على جبل فاطم الإستراتيجي في منطقة حريب نهم غربي محافظة مأرب ولاحقاً السيطرة على جبل جالس الاستراتيجي، بمديرية القبيطة، أحد أهم الجبال الاستراتيجية المطلة على قاعدة العند، بمحافظة لحج جنوب اليمن، الأمر الذي دفع بالقوات الأمريكية “المارينز” المتواجدة في قاعدة العند لشد الرحال من أكبر قاعدة عسكرية بعدما أصبحت تحت السيطرة النارية للجيش اليمني واللجان الشعبية، لتحلّ مكانها قوات آخرى، معظمهم من السودانيين.

في مشهد ثان، هناك ضجة إعلامية ضخمة حول العمليات العسكرية السعودية في اليمن، الأمر الذي تسعى الرياض لاستخدامه على طاولة الكويت. الواقع يكشف عن استعدادات عسكرية سعودية واسعة سواءً في لحج، أو في الجوف ومأرب حيث قالت مواقع إعلام مقربة من العدوان “إن عددا من المشائخ على صلة بالجنرال علي محسن الأحمر قاموا بنقل المئات من الشباب من محافظات أبين وشبوة ولحج صوب محافظة مأرب، بعد إبلاغهم بأنهم سيقومون بتجنيدهم، مشيرةً أن مصادرها الخاصة في الرياض قالت أنه يتم الإعداد لدفعهم صوب العاصمة صنعاء “.

هذه المعلومات تقاطعت مع ما كشفه رئيس المجلس السياسي لحركة “أنصار الله” صالح الصماد، أن “هناك استعدادات سعودية لشن حرب كبيرة على اليمن، تقابلها ترتيبات مع سائر القوى الوطنية لمواجهة أي تصعيد عسكري في ظل احتمالات إفشال المفاوضات الجارية في الكويت”.

هنا تجدر الإشارة إلى أن سطوع نجم على محسن الأحمر المقرب من حزب الإصلاح (الإخوان المسلمين) ألقى بظلاله على دول التحالف حيث أعلنت الإمارات إنسحابها من اليمن، لتعود عنها لاحقاً، وبعدها بأيام المغرب، الأمر ذاته، ما يكشف حجم الصراع بين دول التحالف. لم يقتصر الصراع على القوى السياسية بل طال قيادات عسكرية كبيرة في قوات هادي كان آخرها إغتيال العميد العواضي المعين من قبل الفار المستقيل هادي في منصب رئيس عمليات وزارة الدفاع على يد مسلحين في مدينة مأرب، ناهيك عن الفلتان الأمني الذي تشهده مدينة عدن.

في مشهد أخير، أعلن الرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح، أن حزب “المؤتمر الشعبي العام” الذي يتزعمه، لن يذهب إلى العاصمة السعودية الرياض لإجراء حوار فيها مهما كان، ولو استمرت الحرب عشرات السنين. ليضيف صالح أنصار الله الوريث الشرعي للسلطة بعد خروج الرئيس عبد ربه منصور هادي من البلاد.

بعيداً عما يحدث في الكويت والأسئلة التي باتت قيد الدرس من قبيل: هل ستسلّم حركة أنصارالله سلاحها الثقيل؟ من هي الجهة التي ستستلمه؟ ما الذي يضمن أن لا تعاود السعودية الكرّة؟، تفضي المشاهد الثلاث إلى نتيجة واحده عنوانها ” يد اليمنيين هي العليا”، وما يؤكد هذه الخلاصة هو التكاتف والتعاضد بين أبناء القوى الوطنية سواء على طاولة المفاوضات أو في الميدان،

مقابل ترهّل وضعف غير مسبوق لقوات العدوان السعودي والتابعة لها، ولعل ما شاهدناه ونشاهده سواءً في تعز أو مأرب أو الجوف أو “العند” وخميس مشيط خير دليل على ذلك.

لم يمنع النصر الميداني الجانب اليمني من ترجيح كفّة الحل السياسي، بخلاف الطرف المقابل، وهذا ما أوضحه السيد القائد عبد الملك الحوثي في كلمته الأخيرة عندما قال: وفدنا في مفاوضات الكويت قدّم كل ما يمكن من حلول، كما قدّم مخارج كثيرة ، لإسقاط الحُجة، رغم كون بعضها مجحفاً، مشيراً إلى إعطائهم ما يحفظون ماء الوجه، إلا أن العدوان عاد ليطالب بالاستسلام وإخضاع الشعب اليمني..جاهزون للسلام والحرب”.

الإنسحاب الأمريكي إن دلّ على شيء، فإنه يدل على قوّة اليمنيين في الميدان، وخشية الأمريكيين من تكبّد خسائر عسكرية في حرب قد تعيدها إلى فيتنام. يرى العديد من الخبراء أن أمريكا غير مستعدّة لخسارة أي جندي في العدوان السعودي على اليمن، بل تهدف من خلال هذه الحضور لمواجهة تنظيم القاعدة لا أكثر ولا أقل.

لم تعد أزمات الرياض في المستنقع اليمني تتعلّق بنقاط القوّة عند الطرف المقابل، بل تستحوذ نقاط الضعف لمحور الرياض والقوات الحليفة التي إنسحب جزء كبير منها، الإمارات والمغرب، على جزء كبير من الفشل السعودي في “عاصفة الحزم” التي يبدو أنها تحوّلت إلى حرب إستنزاف، وفق العديد من المراقبين.

الضعف في التنسيق بين قوات العدوان السعودي، إضافةً إلى ربيع الإغتيالات في حرب التصفية سواءً في عدن أو مأرب، عومل عدّة شكّلت ضربة قاصمة لمشروع الرياض في اليمن.

تدرك السعودية أن أي خطوة إلى الوراء ستكون مكلفة، ولعل هذا ما يفسّر إشتعال الميدان في الأيام القليلة الماضية وكذلك عدم تحقيق مباحثات السلام في الكويت التي بدأت قبل أكثر من شهرين أي تقدم ملحوظ. قد لا ندري موعد إنتهاء العدوان على اليمن وكيفيّته، فهل سيكون عبر المفاوضات أم أن الكلمة الأخيرة ستكون للميدان، إلا أن ما هو مؤكد تسارع الأحداث بشكل أكبر من السابق ما يعني أننا أمام نقطة تحوّل.

التعليقات

تعليقات