المشهد اليمني الأول| متابعات

عندما تجتمع «فيديريكا موغيريني» منسقة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي مع نظرائها من دول مجلس التعاون الخليجي في اجتماع وزاري بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي يوم 20 يوليو/تموز القادم في بروكسل، لن تكون الأجواء مواتية على الإطلاق.

ليس فقط لأنَّ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيلقي بظلاله على الاجتماع، نظرًا لأنَّ بريطانيا تُعدّ شريكًا رئيسيًا في منطقة الخليج -الفارسي- ، ولكن لأنَّ بعض الخلافات الجوهرية بين الاتحاد الأوروبي والمملكة العربية السعودية ستؤكد على أنَّ الاجتماع لن يكون دليلًا على النوايا الحسنة.

في جذور هذه الخلافات تكمن السياسات المتضاربة تجاه عدو المملكة العربية السعودية اللدود، إيران. من وجهة نظر الرياض، فإن قرار الاتحاد الأوروبي لإنهاء العقوبات النووية ضد إيران كجزء من خطة العمل المشتركة الشاملة يضفي الشرعية على الطموحات الإقليمية لطهران.

ترى المملكة العربية السعودية تهديدًا وجوديًا ليس فقط في «هيمنة إيران على أربع عواصم عربية» وتقويض الآخرين،-علی حد قوله- ولكن أيضًا فيما تمثله كجمهورية ثورية مستقلة ومعادية للغرب، ذات أغلبية فارسية وشيعية، تتحدى النظام الإقليمي العربي المحافظ المتمحور حول السُنة-علی حد قوله-.

ترى المملكة العربية السعودية الدعم الغربي، الأمريكي في معظمه، لهذا النظام الإقليمي على أنّه بمثابة ضمانة أساسية ضد إيران. ولكنَّ السعوديين قلقون من أنَّ أمريكا سوف تنسحب من المنطقة وأنَّ أوروبا غير مهتمة بملء الفراغ الأمني أو تتواطأ مباشرة مع إيران ضد المصالح السعودية. هذا هو الحال عندما انتقد الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، المملكة العربية السعودية لإدارتها للحرب في اليمن.

باختصار، فإن المملكة العربية السعودية تريد من الغرب مراعاة قلقها من الهجر والمخاطر القادمة عن طريق دفع إيران للعودة إلى عُزلتها مرة أخرى. وعندما رفض السعوديون منح «موغيريني» فرصة اللقاء مع الملك «سلمان» وأي من أولياء العهد خلال الزيارة التي قامت بها إلى المملكة يوم 31 مايو/أيار الماضي، تعمدوا إرسال رسالة إلى الاتحاد الأوروبي يعبّرون فيها عن مدى غضبهم وإحباطهم إزاء تحسن علاقات بروكسل مع طهران.

ومع ذلك، فإنَّ الغضب والإحباط ليست البدائل الجيّدة للدبلوماسية، وعلى المدى الطويل، يمكن أن تلحق الضرر بالمملكة العربية السعودية.

الرياض بحاجة لفهم أن قرار الاتحاد الأوروبي لتطبيع العلاقات مع إيران هو قرار استراتيجي؛ إذ أنَّ إيران تحمل المصادر الرئيسية في مواجهة التحديات الرئيسية الثلاثة التي تغذي الهجوم الشعبي على وجود الاتحاد الأوروبي، والتي كان آخرها هو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وربما لن يكون الأخير. وتتمثل هذه التحديات في: النمو الاقتصادي المتصلب، والتهديد الإرهابي، والهجرة الفوضوية.

ما الذي تقدّمه إيران للاتحاد الأوروبي؟

على الصعيد الاقتصادي، الوعد الذي تقدّمه السوق الإيرانية القوية يمثّل فرصة كبيرة لا تستطيع الشركات الأوروبية تجاهلها. تأتي إيران في التصنيف الثامن عشر كأكبر اقتصاد في العالم من حيث تعادل القوة الشرائية، والاقتصاد الكبير الوحيد الذي لا يزال خارج منظمة التجارة العالمية.

ونظرًا لأنَّ التجارة هي من اختصاص الاتحاد الأوروبي ككتلة واحدة، وليس الدول الأعضاء بشكل فردي، أشارت بروكسل إلى عزمها على تسريع عملية انضمام إيران إلى منظمة التجارة العالمية. في ظلّ تراجع الحكومات الغربية عن التجارة مع إيران، ينضم الآن وزراء الشؤون الخارجية في المملكة المتحدة، ألمانيا، وفرنسا، إلى جانب «موغيريني» ووزير الخارجية الأمريكي «جون كيري»، لتشجيع الشركات على اغتنام الفرص التي أتاحها تخفيف العقوبات المفروضة على إيران.

ومع ذلك، لا شيء من هذا يعني وجود علاقة صداقة بين الاتحاد الأوروبي وإيران أو أنَّ الخلافات، سواء كانت بشأن الأمن الإقليمي أو سياسات إيران الداخلية، ستختفي.-علی حد قوله- ولكنَّ الأمن الأوروبي أصبح مسألة متشابكة ومتداخلة للغاية مع منطقة الشرق الأوسط لدرجة أنّه من الصعب عدم وجود علاقة فعّالة بين الاتحاد الأوروبي وواحدة من الدول المحورية في المنطقة.

فمن غير المعقول أن نتوقع من الاتحاد الأوروبي التضحية بكل هذه الأمور من أجل طمأنة السعوديين. في الواقع، فإن الاستراتيجية العالمية الجديدة للاتحاد الأوروبي بشأن السياسة الخارجية والأمن، والتي تمّ كشف النقاب عنها يوم 25 يونيو/حزيران، تنص صراحة على أنَّ الاتحاد الأوروبي سيواصل السعي وراء مشاركة متوازنة مع دول الخليج-الفارسي- وإيران في النزاعات الإقليمية ومكافحة الإرهاب ، والسعي لمنع انتقال العدوى من الأزمات القائمة وتعزيز مساحة التعاون والدبلوماسية.

من تهديد إلى فرصة

وبدلًا من تناول هذه «المشاركة المتوازنة» على أنّها تهديد، ينبغي على السعوديين أن يعتبروها فرصة. في الواقع ليس لديهم الكثير من الخيارات. عزل إيران لم يعد خيارًا واقعيًا. «هيلاري كلينتون»، المرشحة المحتملة لرئاسة الولايات المتحدة، قد تبدو أكثر تشددًا تجاه إيران من إدارة «أوباما».

ولكن بمجرد انتخابها، ستحركها البراغماتية وليس الأيديولوجية ولن تخالف خطة العمل المشتركة الشاملة. وحتى لو فعلت «هيلاري» أو «دونالد ترامب» ذلك، في ظل عدم وجود استفزاز إيراني كبير، والذي لا توجد علامات عليه حتى الآن، فمن غير المرجح أن يلعب الاتحاد الأوروبي دورًا ثانويًا للأمريكيين فيما يتعلق بإيران.

ونتيجة لذلك، لن يستفيد السعوديون كثيرًا من الضغط على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثل بريطانيا وفرنسا. كل من لندن وباريس لديها علاقات وثيقة مع الرياض، ولكنها أيضًا حريصة على التواصل مع طهران. وعلاوة على ذلك، فإنَّ الرأي العام في أوروبا، الذي يدرك الدور الذي لعبته المملكة السعودية في تعزيز الوهابية التي تهدد المجتمعات الأوروبية اليوم، يجعل الأمر أكثر تكلفة بالنسبة للسياسيين للتقارب مع السعوديين.

لقد فشلت النزعة الأحادية السعودية والجهود المبذولة لتشكيل ائتلاف سُني ضد إيران. أداء الرياض في اليمن لا يزال غير مقنع لإحداث كل هذا الرعب.

الدول السُنية الكبيرة والقادرة عسكريًا، مثل تركيا وباكستان ومصر، يترددون في النضال من أجل الأجندة الجيوسياسية السعودية، حتى الدول الخليجية الأصغر لديها أجندات خاصة بها مع طهران، وليست بالضرورة متوافقة دائمًا مع الرياض. وأخيرًا، وربما الأهمّ من ذلك، تحتاج المملكة العربية السعودية إلى التركيز على الإصلاح الداخلي،

ولا سيما في كيفية التوفيق بين هذه الجوانب من خطة الإصلاح «رؤية 2030» مع التركيز على التحديث، والخصخصة، والقدرة على المنافسة مع ضرورة الحفاظ على التماسك الداخلي للمجتمع. ومن أجل النجاح، فإنَّ المملكة بحاجة إلى بيئة إقليمية مستقرة وآمنة.

وبالتالي، سيكون من الحكمة ألّا ينغمس الدبلوماسيون السعوديون في شيطنة إيران. وبدلًا من ذلك، ينبغي على المملكة العربية السعودية الاستفادة من العلاقات الناشئة بين الاتحاد الأوروبي وطهران لمناقشة هذا النوع من النظام الأمني الإقليمي الشامل الذي يدعمه الاتحاد الأوروبي، بدءًا من تدابير محددة لبناء الثقة لنزع فتيل التوترات بين إيران والمملكة العربية السعودية.

: لوب لوج

التعليقات

تعليقات